فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 316

ولادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ثبت عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه قال: يوم الاثنين يوم ولدت فيه. في شهر ربيع الأول على المشهور امتن الله تبارك وتعالى على البشرية بولادة سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجّلين، وذلك بعد حادثة الفيل بأشهر في مكة المكرمة، وولد يتيم الأب وذلك أن أباه مات وأمه حامل به، وكانت ولادته صلوات الله وسلامه عليه ولادة معتادة لم يتمكن المؤرخون كما يذكر أهل العلم من تحديد يوم مولده وشهره على وجه الدقة، أما يوم المولد من أيام الأسبوع فهو يوم الاثنين كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ولكن في أي اثنين الله أعلم. قيل في التاسع من ربيع الأول، وقيل في الثاني عشر وقيل غير ذلك وقيل في رمضان ولكن المشهور أنه في الثاني عشر من ربيع الأول. وتحديد يوم ميلاده صلوات الله وسلامه عليه لا يرتبط فيه شيء من الناحية الشرعية وأما ما يقوم به كثير من الناس في كثير من بلاد المسلمين من الاحتفال بيوم مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه عمل غير صالح، وذلك لأمور منها:

أولًا: إنه لا يعرف مولده على الدقة صلوات الله وسلامه عليه.

ثانيًا: لم يحتفل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيوم مولده في حياته أبدًا مع أنه عاش ثلاثًا وستين سنة صلوات الله وسلامه عليه.

ثالثًا: لم يحتفل الصحابة ولا التابعون ولا الأئمة المتبوعون وغيرهم من العلماء بيوم مولده ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.

رابعًا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمرنا بذلك مع أنه قال: ما تركت خيرًا يقربكم إلى الله والجنة إلا وقد أمرتكم به. فما لم يأمرنا به صلوات الله وسلامه عليه فليس بخير فالخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد أي مردود على صاحبه.

مرضعته:

لما ولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرضعته أول ما أرضعته ثويبة وهي مولاة عمه أبي لهب وكانت قد أرضعت قبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمه حمزة ولذلك حمزة رضي الله عنه يكون أخًا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الرضاعة أمهما جميعًا ثويبة مولاة أبي لهب. ولم يدم هذا الأمر طويلًا وذلك أنه كان من عادة العرب أنهم يلتمسون المراضع لأولادهم أي المرضعات فكان العرب يحبون أن تأتي المرضعة من خارج مكة فتأخذ الوليد فترضعه لمدة سنتين ثمّ تفطمه وتعيده إلى أمه. ونترك حليمة السعدية تذكر لنا قصتها مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تقول حليمة السعدية إنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء، وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، (والشهباء يعني لا زرع ولا ماء) ، فخرجت على أتان لي قمراء، (الأتان هو الحمار والقمراء يعني بيضاء) ، معنا شارف لنا، (والشارف هي الناقة) والله ما تبض بقطرة، (يعني ما فيها حليب أبدًا) ، وما ننام ليلنا أجمع من صبيّنا الذي معنا من بكائه من الجوع، والله ما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منّا امرأة إلاّ وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتأباه وذلك إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أن كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنّا نقول يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجدّه فكنّا نكرهه لذلك. فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري فلمّا أجمعنا الانطلاق (يعني عزمنا على الرجوع) قلت لصاحبي أي زوجها والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل فيه بركة. سبحان الله، (هذه المسكينة حليمة السعدية لا تدري أن الخير والبركة كلها عند هذا اليتيم صلوات الله وسلامه عليه ) . فرجعت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره فلمّا أخذته رجعت به إلى رحلي فلمّا وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه (أي ولدها) حتى روي ثمّ ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك من بكاء الولد، وقام زوجي إلى شارفنا تلك (أي الناقة) فإذا هي حافل أي مملوءة لبنا، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريًا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة، فقال لي صاحبي (أي زوجها) حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة. فقلت: والله إني لأرجو ذلك. ثمّ خرجنا وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي، (أي حملت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم (أي سبقتهم في المسير) حتى إن صواحبي ليقلن لي يا ابنة أبي ذؤيب ويحك أربعي علينا، (أي لا تسرعي) ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن بلى والله إنها لهي هي فيقلن والله إن لها شأنًا، ثمّ قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، (يعني قاحلة ليس فيها زرع ولا ماء) ، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا بها معنا شباعًا لبنا، فنحلب ونشرب وما يحلب إنسانًا قطرة لبن لأن الأرض جدباء ، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعًا لبنا، فلم نزل نتعرف من الله زيادة والخير حتى مضت سنة وفصلته، (أي فطمته) ، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا ، (يعني قويًا) ، فقدمنا به على أمه (لأن بينهم وبين أمه وعدًا بعد سنتين يعيدان إليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلت لها لو تركت ابني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة، فلم نزل بها حتى ردته معنا. (فهي لا تخشى عليه الوباء ولكنها تريده لما رأت من الخير عند مجيئه صلوات الله وسلامه عليه) ، فما زلت بها حتى ردته معنا.

طفولته:

وهكذا بقي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بني سعد حتى إذا كانت السنة الرابعة من عمره أو الخامسة وقع حادث عجيب. وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك ثمّ غسله أي القلب في طست من ذهب بماء زمزم ثمّ لأمه (أي أعاده إلى مكانه) وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه ، أي حليمة، فقالوا إن محمدًا قد قتل، لأنهم رأوا الملك جاء إليه وشق صدره وأخرج قلبه، فخرجت حليمة مع زوجها ينظرون إلى مقتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوجدوه قائمًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكنه ممتقع اللون لأن هذا الأمر غريب بالنسبة إليه صلوات الله وسلامه عليه، وهذه آية من آيات الله تبارك وتعالى، والله جلّ وعلا على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، عند ذلك خافت حليمة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فردته إلى أمه.

وفاة أمّه:

لما بلغ السادسة من عمره خرجت أمه به لتزور قبر والده في طريق المدينة فزارت قبر أبيه وكان معها في سفرها هذا جده عبد المطلب وخادمتها أم أيمن فبعد أن زارت قبر والده ورجعت إلى مكة وهم في الطريق إلى مكة ماتت أمّه صلوات الله وسلامه عليه في مكان بين مكة والمدينة يقال له الأبواء. فبعد أن كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتيم الأب صار صلوات الله وسلامه عليه في السادسة من عمره يتيم الأب والأم بأبي هو وأمي.

وفاة جدّه:

كفله جدّه ورباه ولما بلغ الثامنة من عمره مات جدّه عبد المطلب.

احتضان عمّه له:

عند ذلك احتضنه عمه أبو طالب ورباه بعد ذلك حتى بلغ سن الرجال صلوات الله وسلامه عليه وقد قام أبو طالب بحق سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير قيام، وكان ربما قدّمه على ولده.

حادثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع الراهب بحيرى:

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام في التجارة ووقعت له هناك حادثة غريبة وهذه الحادثة تتمثل في أن أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرّ على راهب يقال له بحيرى في مكان يقال له بصرى وهذا الراهب اسمه جرجيس ولما نزل به أبو طالب ومن معه أكرم ضيافتهم ثمّ قال: من معكم؟ قالوا: نحن قال: ما معكم أحد آخر؟ قالوا: معنا صبي عند متاعنا قال: ائتوني به فلما جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورآه بحيرى الراهب نظر في وجهه وكان يعرف أن هذا الوقت وقت خروج نبي ثمّ بحث فوجد خاتم النبوة. وخاتم النبوة هذا عبارة عن ورمة في كتف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من خلف في قدر البيضة فقال بحيرى لأبي طالب: إنكم حينما أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخرّ ساجدًا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تسجد هذه إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه، مثل التفاحة إن وجدناه في كتبنا ارجع به فإني أخاف عليه اليهود (أي في الشام) ، فرجع به إلى مكة.

حلف الفضول:

وحضر صلوات الله وسلامه عليه حلف الفضول وذلك حين بلغ الخامسة عشرة من عمره. وهذا الحلف تداعت إليه بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم، اجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان التيمي وذلك لسنه وشرفه وتعاقدوا على ألاّ يجدوا مظلومًا بمكة سواءً كان من أهلها أو من غيرهم إلا نصروه وأخذوا له حقه. وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يقول بعد ذلك حضرت حلف الفضول ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت وما أحب أن لي به حمر النعم، (هي الإبل الحمراء التي تشتاق إليها نفوس العرب وتحبها) .

قبل البعثة:

كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تلك الفترة يرعى الغنم مقابل قراريط أي أموال قليلة لأهل مكة عن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمر الظهران، مكان قريب من مكة، ونحن نجني الكباث، (الكباث ثمر الأراك وهو السواك) ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عليكم بالأسود منه قال: فقلنا يا رسول الله كأنك رعيت الغنم، قال: نعم، رواه الإمام مسلم في صحيحه. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم فقال أصحابه: وأنت قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة، رواه الإمام البخاري في صحيحه. قال أهل العلم لعل الحكمة من إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يتلقونه من القيام بأمر أمتهم في مخالطتها ، (أي الغنم) ، ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ودفع عدوها عنها ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وخصّ الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر. وبعد رعي الغنم اشتغل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتجارة.

زواجه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت