فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 316

بلغ خديجة بنت خويلد ما وصف به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كريم الأخلاق والأمانة فبعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام. وخديجة من أشراف قومها من بني مخزوم وأرسلت معه غلامًا لها يقال له ميسرة فوافق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخرج بمالها وتاجر لها ولما رجع إلى مكة أخبرها ميسرة بما وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كريم خلقه وحسن تعامله وما كانت من بركة وقعت له صلوات الله وسلامه عليه كل هذا جعلها تعجب به فتحدثت عن إعجابها به مع صديقاتها وكان ممن تحدثت معها صديقة لها يقال لها نفيسة فذهبت نفيسة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعرضت عليه أن يتزوج خديجة فقبل صلوات الله وسلامه عليه وذهب مع أعمامه إلى عم خديجة وتمّ الزواج. وكانت سنها على المشهور أربعين سنة وكان سن النبي صلوات الله وسلامه عليه الخامسة والعشرين. وقد أحبها النبي صلوات الله وسلامه عليه حبًا شديدًا ولم يتزوج عليها في حياتها أبدًا.

أولاده من خديجة:

رزقه الله تبارك وتعالى من خديجة الولد فولدت له عبدالله والقاسم وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين.

إعادة بناء الكعبة:

لما بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخامسة والثلاثين من عمره وقع أمر مهم وهو أن قريشًا قررت إعادة بناء الكعبة وذلك أن الكعبة قد تساقطت بعض حجارتها وكان قد جاءها سيل شديد أثر في بنيانها كثيرًا، واختلفوا هل يرممون البيت أو يهدمونه من جديد؟ فمن قائل يهدم ويبنى من جديد ومن قائل بل يرمم وذلك أنهم خشوا إذا هدموا البيت أن يصابوا بأذى وذلك أن ما حدث لأبرهة قريب جدًا وكثير منهم قد عاصروا ونظروا ما وقع لأبرهة وجيشه حين أردوا ذلك البيت المقدس عند الله تبارك وتعالى. فقام الوليد بن المغيرة وقال: والله لنهدمنّه ولنبنينّه من جديد فقالوا: إنّا نخاف أن نصاب بأذى فقال: وأي أذى وأنتم إنما أردتم الخير قالوا: فابدأ أنت قال: نعم فجاء الوليد إلى الكعبة ورفع الفأس وقال: اللهم لن ترع (يعني لا تخف يا رب لا نريد إيذاءك وإنما نريد الخير وهذا لا شك يدل على جهلهم بالله تبارك وتعالى) . فضرب ثمّ انتظر فلم يصب بأذى فقال: أيها الناس اهدموا فقالوا: لا، حتى تصبح وأنت سليم. قال: نعم فلما أصبح وإذ لم يصب بأذى فقاموا جميعًا فهدموا بيت الله الحرام. ولكنهم لما هدموا البيت وأرادوا إعادة بنائه قالوا: لا يدخل في بنائه إلا مال طيب فلا يقبل مال ربا ولا ميسر ولا مهر بغي ولا مال مسروق وهذا شيء عجيب هم على كفرهم يعرفون المال الحلال من المال الحرام . وقدّر الله أن المال الحلال الذي جمعوه كان قليلًا لم يكف لبناء الكعبة فبنوا الكعبة على ما هي عليه الآن ثمّ جعلوا هذا السور أو هذا القوس الذي نراه والذي يسميه كثير من الناس حجر (بكسر الحاء وتسكين الجيم) إسماعيل وليس لإسماعيل عليه الصلاة والسلام حجر. بل هو الحجر أو الجدر (بفتح الجيم وتسكين الدال) كما كان يسميه أهل مكة، وهذا الحجر ستة أذرع منه تعتبر من الكعبة (يعني نصفه تقريبًا) ولذلك إذا أردنا أن نطوف حول الكعبة لا يجوز لنا أن نطوف من داخل الحجر لأننا مطالبون أن نطوف من حول الكعبة لا أن نطوف في الكعبة. وكان للكعبة بابان فجعلوا لها بابًا واحدًا وكان الباب ملاصقًا للأرض فرفعوه حتى يدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم. قالت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إنّ قومك قصّرت بهم النفقة، قالت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض، رواه الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما. وذلك من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عين الحكمة إذ أن قريشًا ستقول انظروا إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدّعي أنه مرسل من الله أول ما فتح مكة هدم بيت الله ولذا رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحكمة أن يؤخر هذا الأمر.

ولكن هل تأخر هذا الأمر كثيرًا؟ إنه لم يتأخر كثيرا وذلك أنهم في خلافة أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير رضي الله تبارك وتعالى عنه سنة خمس وستين من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو سنة أربع وستين قام عبدالله بن الزبير فأدخل الحجر في الكعبة ووسع الكعبة وأطال بنيانها وأنزل الباب إلى الأرض وجعل للكعبة بابين كل ذلك كما أراده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رواه الإمام مسلم في صحيحه. قال عطاء: إن عبدالله بن الزبير جمع الناس فقال: يا أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثمّ ابني بناءها أو أصلح ما وهي (بفتح الواو وكسر الهاء) منها فقال ابن عباس: فإني قد فرق ( بضم الفاء) لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهي منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه وأحجارًا أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . فابن عباس كان رأيه أن تترك الكعبة ولا يدخل الحجر فيها وأن ترمم فقط فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّه أي يجدده من جديد فكيف بيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثًا ثمّ عازم على أمري فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد إليها أمر من السماء أيضًا خشوا أن يقع أمر من السماء إذا أراد أحد أن يهدم الكعبة. فصعد رجل وألقى من البيت حجارة فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوا البيت حتى بلغوا به الأرض فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة رضي الله عنها تقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ولجعلت لها بابًا يدخل الناس منه وبابًا يخرجون منه قال عبدالله بن الزبير: فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس قال: فزاد فيه خمسة أذرع كما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحجر حتى أبدى أسًّا (بضم الألف) نظر الناس إليه (يعني الأساس) أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشر ذراعًا فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع فابن الزبير زادها طولًا وعرضًا رضي الله عنه وأرضاه وجعل للكعبة بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه فلما قتل (بضم القاف) ابن الزبير وذلك سنة ثلاث وسبعين من الهجرة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك (أي بما فعل ابن الزبير ببيت الله تبارك وتعالى) ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس (أي على أساس) نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء أما ما زاد من طوله فأقره (أي من ارتفاع الكعبة) وأما ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه. وهذا أمر عجيب عبدالله بن الزبير رضي الله عنه نفذ وصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. عبدالملك بن مروان لما استخلف ظن أن عبدالله بن الزبير إنما زاد هذا من عند نفسه فأمر بنقضه وأعاد الكعبة كما كانت زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم

القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ عثمان الخميس

عدد القراء: 3749

تاريخ الموضوع: 01 - نوفمبر - 2002 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت