قبح الله رايكم آل فهر % ما ادق العقول والاحلام
حين تغضي لمن يعيب عليها % دين ابائها الحماة الكرام
حالف الجن جن بصرى عليكم % ورجال النخيل والاطام
توشك الخيل ان تروها نهارا % تقتل القوم في حرام تهام
هل كريم منكم له نفس حر % ماجد الجدتين والاعمام
ضاربا ضربة تكون نكالا % ورواحا من كربه واغتنام
قال ابن عباس فاصبح هذا الشعر حديثا لاهل مكة يتناشدوه بينهم فقال رسول الله هذا شيطان يكلم الناس من الاوثان يقال له مسعر والله مخزيه فمكثوا ثلاثة ايام فاذا هاتف يهتف على الجبل يقول:
نحن قتلنا في ثلاث مسعرا % اذ سفه الحق وسن المنكرا
قنعته سيفا حساما مبترا % بشتمه نبينا المطهرا
فقال رسول الله هذا عفريت من الجن اسمه سمحج امن بي سميته عبد الله اخبرني انه في طلبه منذ ثلاثة ايام فقال علي جزاه الله خيرا يا رسول الله . (ص150)
21-من سنة الله ان من لم يمكن المؤمنين ان يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله فان الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه اياه كما قدمنا بعض ذلك في قصة الكتاب المفترى وكما قال سبحانه )فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ) (الحجر:95) والقصة في اهلاك الله واحدا واحدا من هؤلاء المستهزئين معروفة قد ذكرها اهل السير والتفسير وهم على ماقيل نفر من رؤوس قريش منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والاسودان بن المطلب وابن عبد يغوث والحارث بن قيس وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم
كسرى وقيصر وكلاهما لم يسلم لكن قيصر اكرم كتاب رسول الله واكرم رسوله فثبت ملكه فيقال ان الملك باق في ذريته الى اليوم وكسرى مزق كتاب رسول الله واستهزا برسول الله فقتله الله بعد قليل ومزق ملكه كل ممزق ولم يبق للاكاسرة ملك وهذا والله اعلم تحقيق قوله تعالى (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (الكوثر:3) فكل من شناه او ابغضه وعاداه فان الله تعالى يقطع دابره ويمحق عينه واثره وقد قيل انها نزلت في العاص بن وائل او في عقبة بن ابي معيط او في كعب بن الاشرف وقد رايت صنيع الله بهم ومن الكلام السائر لحوم العلماء مسمومة فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام . (ص164)
22-قال ابن عقيل عن شيخه ابي الفضل الهمداني مبتدعة الاسلام والكذابون والواضعون للحديث اشد من الملحدين لان الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل فهم كاهل بلد سعوا في فساد احواله والملحدون كالمحاصرون من خارج فالدخلاء يفتحون الحصن فهم شر على الاسلام من غير الملابسين له . (ص171)
23-إذا علم الرجل من حال صديقه انه تطيب نفسه بما ياخذ من ماله فله ان ياخذ وان لم يستأذنه نطقا وكان هذا معروفا بين كثير من الصحابة والتابعين كالرجل الذي سال النبي كبة من شعر فقال اما ما كان لي ولبني هاشم فهو لك وعلى هذا فلا حرج عليهم اذا سالوا نصيبهم . (ص195)
24-سب النبي تعلق به عدة حقوق حق الله سبحانه من حيث كفر برسوله وعادى افضل أوليائه وبارزه بالمحاربة ومن حيث طعن في كتابه ودينه فان صحتهما موقوفة على صحة الرسالة ومن حيث طعن في الوهيته فان الطعن في الرسول طعن في المرسل وتكذيبه تكذيب لله تبارك وتعالى وانكار لكلامه وامره وخبره وكثير من صفاته وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الامة ومن غيرها من الامم فان جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا امته فان قيام امر دنياهم ودينهم واخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والاخرة بواسطته وسفارته فالسب له اعظم عندهم من سب انفسهم واباءهم وابناءهم وسب جميعهم كما انه احب اليهم من انفسهم واولادهم وابائهم والناس اجمعين وتعلق به حق رسول الله من حيث خصوص نفسه فان الانسان تؤذيه الوقيعة في عرضه اكثر مما يؤذيه اخذ ماله واكثر مما يؤذيه الضرب بل ربما كانت عنده اعظم من الجرح ونحوه خصوصا من يجب عليه ان يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والاخرة فان هتك عرضه قد يكون اعظم عنده من قتله فان قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته وعلة قدره كما ان موته لا يقدح في ذلك بخلاف الوقيعة في عرضه فانها قد تؤثر في نفوس بعض الناس من النفره عنه وسوء الظن به ما يفسد عليهم ايمانهم ويوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة . (ص293)
25-السب قد يكون غلطا من المسلم لا اعتقادا فاذا تاب منه قبلت توبته اذ هو عثرة لسان وسوء ادب او قلة علم . (ص307)
26-المشهور عن مالك واحمد انه لا سيتتاب ولا تسقط القتل عنه توبته وهو قول الليث بن سعد وذكر القاضي عياض انه المشهور من قول السلف وجمهور العلماء وهو احد الوجهين لاصحاب الشافعي وحكي عن مالك واحمد انه تقبل توبته وهو قول ابي حنيفة واصحابه وهو المشهور من مذهب الشافعي بناء على قبول توبة المرتد فنتكلم اولا في قبول توبته والذي عليه عامة اهل العلم من الصحابة والتابعين انه تقبل توبة المرتد في الجملة وروي عن الحسن البصري انه يقتل وان اسلم جعله كالزاني والسارق وذكر عن اهل الظاهر نحو ذلك ان توبته تنفعه عند الله ولكن لا تدرأ القتل عنه وروي عن احمد ان من ولد في الاسلام قتل ومن كان مشركا فاسلم استتيب وكذلك روي عن عطاء وهو قول اسحاق بن راهوية والمشهور عن عطاء واحمد الاستتابة مطلقا وهو الصواب ووجه عدم قبول التوبة قوله (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري ولم يستثن ما اذا تاب وقال لايحل دم امرئ مسلم يشهد ان لا اله الا الله واني رسول الله الا باحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة متفق عليه فاذا كان القاتل والزاني لا يسقط عنهما القتل بالتوبة فكذلك التارك لدينه المفارق للجماعة وعن حكيم بن معاوية عن ابيه ان رسول الله قال لايقبل الله توبة عبد كفر بعد اسلامه رواه الامام احمد ولانه لايقتل لمجرد الكفر والمحاربة لانه لو كان كذلك لما قتل المترهب والشيخ الكبير الاعمى والمقعد والمراة ونحوهم فلما قتل هؤلاء علم ان الردة حد من الحدود والحدود لاتسقط بالتوبة . (ص314)
27-في مراسيل أبي داود عن أبن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ضرب أباه فأقتلوه ) . (ص456)
28-صحة التوبة فيما بينه وبين الله وسقوط حق الرسول بما ابدله من الايمان به الموجب لحقوقه لا يمنع ان يقيم عليه حد الرسول اذا ثبت عند السلطان وان اظهر التوبة بعد ذلك كالتوبة من جميع الكبائر الموجبة للعقوبات المشروعة سواء كانت حقا لله او حقا لادمي فان توبة العبد فيما بينه وبين الله بحسب الامكان صحيحة مع انه اذا ظهر عليه اقيم عليه الحد وقد اسلفنا ان سب الرسول فيه حق لله وحق لادمي وانه من كلا الوجهين يجب استيفاؤه اذا رفع الى السلطان وان اظهر الجاني التوبة بعد الشهادة عليه . (ص494)
29-بعض الحمقى
سبوا عليا كما سبوا عتيقكم % كفرا بكفر وايمانا بايمانا
وكما يقول بعض الجهال مقابلة الفاسد بالفاسد وكما قد تحمل بعض جهال المسلمين الحمية على ان يسب عيسى اذا جاهره المحاربون بسب رسول الله وهذا من الموجبات للقتل . .... (ص496)
30-طريقة من فرق بين سب الله وسب رسوله وذلك من وجوه:
احدها ان سب الله حق محض لله وذلك يسقط بالتوبة كالزنى والسرقة وشرب الخمر وسب النبي فيه حقان لله وللعبد فلا يسقط حق الادمي بالتوبة كالقتل في المحاربة هذا فرق القاضي ابي يعلى في خلافه.
الثاني ان النبي تلحقه المعرة بالسب لانه مخلوق
الثالث ان النبي انما يسب على وجه الاستخفاف به والاستهانة وللنفوس الكافرة والمنافقة الى ذلك داع من جهة الحسد على ما اتاه الله من فضله ومن جهة المخالفة في دينه ومن جهة الانقهار تحت حكم دينه وشرعه ومن جهة المراغمة لامته .
الرابع ان سب النبي حد وجب لسب ادمي ميت لم يعلم انه عفا عنه وذلك لا يسقط بالتوبة بخلاف سب الله تعالى . (ص496,497,498)
31-وذكر القاضي عن الفقهاء ان ساب النبي ان كان مستحلا كفر وان لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر كساب الصحابة وهذا نظير ما يحكى ان بعض الفقهاء من اهل العراق افتى هارون امير المؤمنين فيمن سب النبي ان يجلده حتى انكر ذلك مالك ورد هذه الفتيا وهو نظير ما حكاه ابو محمد ابن حزم ان بعض الناس لم يكفر المستخف به
وقد ذكر القاضي عياض بعد ان رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي ذكره ابن حزم بما نقله من الاجماع عن غير واحد وحمل الحكاية على ان اولئك لم يكونوا ممن شهر بالعلم او لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به او ان الفتيا كانت في كلمة اختلف في كونها سبا او كانت فيمن تاب ذكر ان الساب اذا اقر بالسب ولم يتب منه قتل كفرا لان قوله اما صريح كفر كالتكذيب ونحوه او هو من كلمات الاستهزاء او الذم فاعترافه بها وترك توبته منها دليل على استحلاله لذلك وهو كفر ايضا قال فهذا كافر بلا خلاف . (ص514)
32-ويجب ان يعلم ان القول بان كفر الساب في نفس الامر انما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة ويرحم الله القاضي ابا يعلي قد ذكر في غير موضع من كتبه ما يناقض ماقاله هنا وانما اوقع من وقع في هذه المهواة ما تلقوه من كلام طائفة من متاخري المتكلمين وهم الجهمية الاناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الاولى في ان الايمان هو مجرد التصديق الذي في القلب وان لم يقترن به قول اللسان ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح وصرح القاضي ابو يعلى بذلك هنا قال عقيب ان ذكر ما حكيناه عنه وعلى هذا لو قال الكافر ان معتقد بقلبي معرفة الله وتوحيده لكني لا اتي بالشهادتين كما لا اتي غيرها من العبادات كسلا لم يحكم باسلامه في الظاهر ويحكم به باطنا قال وقول الامام احمد من قال ان المعرفة تنفع في القلب من غير ان يتلفظ بها فهو جهمي محمول على احد وجهين احدهما انه جهمي في ظاهر الحكم والثاني على انه يمتنع من الشهادتين عنادا لانه احتج احمد في ذلك بان ابليس عرف ربة بقلبه ولم يكن مؤمنا ومعلوم ان ابليس اعتقد انه لا يلزم امتثال امره تعالى بالسجود لادم وقد ذكر القاضي في غير موضع انه لا يكون مؤمنا حتى يصدق بلسانه مع القدرة وبقلبه وان الايمان قول وعمل كما هو مذهب الائمة كلهم مالك وسفيان والاوزاعي والليث والشافعي واحمد واسحاق ومن قبلهم وبعدهم من اعيان الامة . (ص515)
33-قال القاضي عياض جميع من سب النبي او عابه او الحق به نقصا في نفسه او نسبه او دينه او خصلة من خصاله او عرض به او شبهه بشئ على طريق السب له والازراء عليه او البغض منه والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل ولا نستثن فصلا من فصول هذا الباب عن هذا المقصد ولا نمتر فيه تصريحا كان او تلويحا وكذلك من لعنه او تمنى مضرة له أو دعا عليه او نسب اليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم او عيبه في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور او عيره بشئ مما يجري من البلاء والمحنة عليه او غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه قال هذا كله اجماع من العلماء وائمة الفتوى من لدن اصحابه وهلم جرا . (ص525)