فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 316

وها هنا فائدة لطيفة ، وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملة ، وإنما أمر التبين ، فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه ، عمل بدليل الصدق ، ولو أخبر به من أخبر ، هكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته ، وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم ، بل كثير منهم يتحرى صدق غاية التحري وفسقه من جهات آخر ، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته ، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق ، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة ، ولا سيما من فسقه من جهة الاعتقاد والرأي وهو متحرٍ للصدق ، فهذا لا يرد خبره ولا شهادته .

وأما من فسقه من جهة الكذب: فإن كثر منه وتكرر ، بحيث يغلب كذبه على صدقه ، فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته ، وإن ندر منه مره ومرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء . وهما روايتان عن الإمام أحمد - رحمه الله - (1/391)

37-الكذب يراد به أمران: أحدهما: الخبر غير المطابق لمخبره ، وهو نوعان: كذب عمدًا ، وكذب خطأ ، فكذب العمد معروف ، وكذلك الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه للمتوفي عنها إذا وضعت حملها (أنها لا تحل حتى تتم أربعة أشهر وعشرًا) فقال النبي صلى الله عليه وسلم (كذب أبو السنابل) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (كذب من قالها) لم قال (حبط عمل عامر ، حيث قتل نفسه خطأ) ومنه قول عبادة بن الصامت: ( كذب أبو محمد ) حيث قال: (الوتر واجب) فهذا كله من كذب الخطأ ومعناه (أخطأ) قائل ذلك . والثاني من أقسام الكذب: الخبر الذي لا يجوز الأخبار به ، وإن كان خبره مطابقًا لمخبره ، كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنا ، والأخبار به فإنه كاذب في حكم الله ، وإن كان خبره مطابقًا لمخبره ، ولهذا قال تعالى (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النور:13) فحكم الله في مثل هذا: أن يعاقب عقوبة المفتري الكاذب وإن كان خبره مطابقًا ، وعلى هذا فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله ، كما أخبر الله تعالى به عنه ، فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله الله كاذبًا ، فأي توبةٍ له ؟ وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه ؟ (1/395)

38-فأما مشهد الحيوانية ، وقضاء الشهوة: فمشهد الجهال ، الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان ، إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان ، ليس همهم إلا مجرد ميل الشهوة بأي طريق أفضت إليها ، فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترق عنها إلا درجة الإنسانية ، فضلًا عن درجة الملائكة , فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر , وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها , فمنهم: من نفسه كلبيه ، لو صادف جيفه تشبع ألف كلب لوعه عليها , وحماها من سائر الكلاب , ونبح كل كلب يدنوا منها ، فلا تقربها الكلام إلا على كره منه وغلبه , ولا يسمح لكلب بشيءٍ منها ، وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق: ميته أو مذكى ، خبيث أو طيب ، ولا يستحي من قبيح ، إن تحمل عليه يلحث , إن أطعمته بصبص بِذَنَبِهِ ودار حولك , وإن منعته هرك ونبحك .

ومنهم من نفسه حماريه . لم تخلق إلا للكد والعلف , كلما زيد في علفه زيد في كده ، أبكم الحيوان ، وأقله بصيرة ، ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله كتابه ، فلم يحمله معرفة ولا فقهًا ولا عملًا ، ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه الله آياته فأنسلخ منها ، وأخلد إلى الأرض وأتبع هواه ، وفي هذين المثلين أسرار عظيمة ، ليس هذا موضع ذكرها .

ومنهم من نفسه سبعيَّه غضبيَّه ، همته العدوان على الناس ، وقهرهم بما وصلت إليه قدرته ، طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه .

ومنهم من نفسه فأريَّه ، فاسق بطبعه ، مفسد لما جاوره ، تسبيحه بلسان الحال: سبحان من خلقه للفساد

ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمّات ، كالحيه والعقرب وغيرهما ، وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه ، فيُدخِل الرجل القبر والجمل القِدْر ، والعين وحدها لم تفعل شيئًا ، وإنما النفس الخبيثة السُّمِّيَّة تكيّفت بكيفية غضبيه ، مع شدة حسد وإعجاب ، وقابلت المَعِين على غِرَّة منه وغفلة ، هو أعزل من سلاحه ، فلدغته كلدغة الحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه فإما عطب وإما أذى ، ولذى لا يتوقف أذى العائن على الرؤية والمشاهد ، بل إذا وُصِف له الشيء الغائب عنه وصل إليه أذاه ، والذنب لجهل المعين وغفلته وغِرَّتهُ عن حمل سلاحه كل وقت ، فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح ، كالحية إذا قابلت درعًا سابقًا على جميع البدن ليس فيه موضع مكشوف . فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها: أن لا يزال متدرعًا متحصنًا لابسًا أداة الحرب مواظبًا على أوراد التعويذات ، والتحصينات النبويه ، التي في القرآن والتي في السنَّه (1/432)

39-فما حصل للعبد حال مكروهه قط إلاّ بذنب ، وما يعفوا الله عنه أكثر قال الله تعالى (َمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30)

وقال لخيار خلقه وأصحاب نبيه (َوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165) وقال (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (النساء:79)

والمراد بالحسنة والسيئة هنا: النعم والمصائب التي تصيب العبد من الله . ولهذا قال: (ما أصابك) ولم يقل: (ما أصبت) فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب ،ومخالفة أوامر الرب فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها (1/456)

40-كان شيخ الإسلام بن تيمية - رضي الله عنه - يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية (1/464)

41- (الإنابة) إنابتان: إنابة لربوبية ، وهي إنابة المخلوقات كلها ، يشترك فيها المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، قال الله تعالى (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) (الروم:33) فهذا عام في حق كل داعٍ أصابه الضر ، كما هو الواقع. وهذه (الإنابة) لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر كما قال تعالى في حق هؤلاء: ( ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُون ليكفروا بما آتيناهم ) (الروم:33) فهذا حالهم بعد إنابتهم .

و (الإنابة) الثانية إنابة أوليائه ، وهي إنابة لإلهيته ، إنابة عبودية ومحبة . وهي تتظمن أربعة أمور: محبته ، الخضوع له ، الإقبال عليه ، الإعراض عما سواه ، فلا يستحق أسم (المنيب) إلاّ من اجتمعت فيه هذه الأربع ، وتفسير السلف لهذه اللفظه يدور على ذلك . (1/467)

42-قال: وإنما يستقيم الرجوع إليه إصلاحًا بثلاثة أشياء: بالخروج من التبعات ، التوجُّع للعثرات ، استدراك الفائتات .

والخروج من التبعات: هو بالتوبة من الذنوب التي بين العبد وبين الله ، وأداء الحقوق التي عليه للخلق

التوجع للعثرات يحتمل شيئين

أحدهما: أن يتوجع لعثراته إذا عثر ، فيتوجع قلبه فينصدع ، وهذا دليل على إنابته إلى الله ، بخلاف من لا يتألم قلبه ولا ينصدع من عثرته ، فإنه دليل على فساد قلبه وموته

الثاني: أن يتوجع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر ، حتى كأنه هو الذي عثر بها ولا يشمت به ، فهي دليل على رِقَّةْ قلبه وإنابته

استدراك الفائتات: هو استدراك ما فاته من طاعة وقربة بأمثالها ، أو خير منها ولا سيما في بقية عمره ، عند قرب رحيله إلى الله ، فبقية عمر المؤمن لا قيمة لها ، يستدرك بها ما فات ، ويُحيي بها ما أمات (1/469)

43-فلا إله إلا الله . كم من النفوس من علل وأمراض وحظوظ تمنع الأعمال: أن تكون لله خالصة ، وأن تصل إليه ؟ وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البته وهو غير خالص لله ، ويعمل العمل والعيون قد أستدارت عليه نطاقا وهو خالص لوجه الله ، فلا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها . (1/472)

44-كان شيخ الإسلام بن تيمية - قدس الله روحة - شديد اللهج بها جدًا ، وقال لي يومًا: لهذين الإسمين وهما (الحي القيوم) تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الإسم الأعظم ، وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر (ياحي ياقيوم - لا إله إلا أنت - برحمتك أستغيث ) حصلت له حياة القلب ، ولم يمت قلبه (1/482)

45-مفسدات القلب الخمسة فهي التي أشار إليها: كثرة الخلطة، التمني ، التعلق بغير الله ، الشبع ، المنام ، فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب .

46-إنه لا نعيم له ولا لذَّة ، ولا ابتهاج ، ولا كمال ، إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره ن والفرح والإبتهاج بقربه ، والشوق إلى لقائه ، فهذه جنته العاجله ، كما أنه لا نعيم له في الآخرة ، ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة ، فله جنتان لا يدخل الثانية منها إن لم يدخل الأولى

وسمعت شيخ الإسلام بن تيمية - قدس الله روحه - يقول: إن في الدنيا جنه من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة

قال بعض العارفين: إنه ليمر بالقلب أوقات . أقول: إن كان أهل الجنه في مثل هذا ، إنهم لفي عيش طيب

وقال بعض المحبين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها ، وقالوا: وما أطيب ما فيها ؟ قال: محبة الله ، والأنس به ، والشوق إلى لقائه ، والإقبال عليه ، والإعراض عما سواه - أو نحو هذا الكلام (1/488)

47-قيل للإمام أحمد: أيكون الرجل زاهدًا ، ومعه ألف دينار ؟ قال: نعم على شريطة ألاّ يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت ، ولهذا كان الصاحبة أزهد الأمه مع ما بأيديهم من الأموال .

وقيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهدًا ؟ قال: نعم إن كان إذا زيد ماله شكر ، وإن نقص شكر وصبر (1/500)

48-ليس من شرط ولي الله العصمة ، وقد تقاتل أولياء الله في صفين بالسيوف ، ولما سار بعضهم إلى بعض كان يقال: سار أهل الجنة إلى أهل الجنة ، وكونُ ولي الله يرتكب المحظور والمكروه متأوِّلًا أو عاصيًا لا يمنع ذلك من الإنكار عليه ، ولا يخرجه من أصل ولاية الله . (1/537)

49-أجمع أرباب السلوك: على أن حزن الدنيا غير محمود إلاّ أبا عثمان الحِيِري ، فإنه قال: الحزن بكل وجه فضيلة ، وزيادة للمؤمن ، مالم يكن بسبب معصية ، قال: لأنه إن لم يوجب تخصيصًا ، فإنه يوجب تمحيصًا فيقال: لا ريب أنه محنه وبلاء من الله ، بمنزلة المرض والهم والغم ، وأما إنه من منازل الطريق: فلا والله سبحانه أعلم . (1/544)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت