الشيخ صالح اللحيدان
ولما لهذا الأمر من جليل مكانة ولحاجة العلماء والباحثين والمحققين إليه أنظر هنا مذكرًا بذلك الشعور بالمسؤولية من قبل كل عالم وباحث ومحقق ودارس بلازم نظر أمانة العلم من قبل: المؤسسات العلمية والأفراد خاصة من انصرف أو هو ينصرف إلى التأليف وما جرى مجراه، أذكرهم بجانب التقوى بما حاله ضرورة الفهم السديد والبذل الأكيد تجاه (زيادة الثقة) لما لها من أثر بالغ في النصوص والآثار في كتب الشريعة، كذلك الحال بالنسبة لآراء واجتهادات علماء الطب والسياسة والإدارة والاقتصاد والاجتماع والتعليم ونحوهم من علماء يحسن بنا ألا نذكر عنهم شيئًا أو نضيف إليهم شيئًا إلا بعد تحقيق أن ما قالوه قد قالوه سواء أكان ذلك اجتهادًا منهم كل في مجاله أو كان ابتداء رأيٍ مسبوق إليه.
ولنظر شمول هذا أتجاوز كثيرًا لأجلب من كلام صاحب: (تدريب الراوي) ما يُستفاد تجاه ما أنا بصدده يقول فيما بين/ ص 245 ص/ حتى 250:
النوع السادس عشر معرفة: زيادات الثقات وحكمها، وهو فن لطيف تُستحسن العناية به) هذا كلام النواوي يقول السيوطي عليه: (وقد اشتهر بمعرفة ذلك جماعة كأبي بكر عبدالله بن محمد بن زياد النيسابوي وأبي الوليد حسان بن محمد القرشي وغيرهما) يقول النواوي (ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين قبولها مطلقًا) يقول السيوطي: (سواء وقعت ممن رواه أو لًا، ناقصًا أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا، وقد ادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول(وقيل لا تُقبل مطلقًا) لا ممن رواه ناقصًا ولا من غيره، وقيل تقبل إن زادها غير من رواه ناقصًا، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصًا).
ثم هو يردف كما حرره في ص 246 ليقول:(وقسمه الشيخ «النواوي» أقسامًا:
أحدها/ زيادة تخالف الثقات)فيما رووه.
الثاني/ لا مخالفة فيه لما رواه الغير أصلًا،
الثالث/ زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته).
ويبين حقيقة وصورة هذه الحالة بما فيه طائل لا بد منه لعامة الهيئات العلمية والمحققين والكليات العلمية الشرعية، ومن يقررون الأحكام ويستخلصون النظر يقول: (وهذه مرتبة بين تلك المرتبتين، كحديث حذيفة:(جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا انفرد أبو مالك) سعد ابن طارق (الأشجعي فقال:) جعلت (تربتها) لنا (طهورًا) وسائر الرواة لم يذكروا ذلك (فهذا يشبه الأول) المردود من حيث أن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد المردود بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف به الحكم، (ويشبه الثاني) المقبول من حيث انه لا منافاة بينهما (كذا قال الشيخ) ابن الصلاح في المصنف: (والصحيح قبول هذا الأخير) قال: (ومثله الشيخ أيضًا بزيادة مالك في حديث الفطرة «من المسلمين» ونقل عن الترمذي: أن مالكًا تفرد بها، وأن عبيد الله بن عمر وأيوب وغيرهما رووا الحديث عن نافع عن ابن عمر بدون ذلك. قال ابن لحيدان هذا من كلام السيوطي، وقال النواوي(ولا يصح التمثيل به فقد وافق مالكًا) يقول السيوطي: (عليها جماعة من الثقات منهم(عمر بن نافع) (وروايته عند البخاري في صحيحه(والضحاك بن عثمان) وروايته عن مسلم صحيحة، قال صالح اللحيدان، وما ذكره مرقوم برقم في صحيح البخاري ومسلم لكن حسب اختلاف السند بينهما، (قال العراقي: وكثير من فرقد وروايته في مستدرك الحاكم وسنن الدار قطني ويونس بن يزيد في بيان المشكل للطحاوي، والمعلى بن إسماعيل في صحيح ابن عبدالله بن عمر العمري في سنن الدارقطني)
ثم هو يضرب المثال، وإذا كان ما سبق يحتاج إلى تأمل جاد مركز، وتكرار للمدون فإن ما يلي من مثال وسواه يحتاج أكثر ما يحتاج إلى النية وصفاء ذهن وحسن تصور للمراد يقول كما في ص 248(من أمثلة هذا الباب حديث الشيخين عن ابن مسعود: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل..؟
قال: «الصلاة لوقتها» زاد الحسن بن مكدم وبندار في روايتهما: في أول وقتها، صححها الحاكم وابن حبان، وحديث الشيخين عن أنس: أُمرَ بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، زاد سماك بن عطية، إلا الإقامة، وصححها الحاكم وابن حبان، وحديث علي: إن السَّه وكاءُ العين، زاد إبراهيم بن موسى: فمن نام فليتوضأ).
وأصل زيادة الثقة أنها مقبولة كما حكاه: النواوي والحاكم والسيوطي، وهو قول المحدثين وجمهور الفقهاء، والزيادات هكذا: جمع زيادة وهي ما يُضاف إلى متن الحديث في أوله أو وسطه أو آخره من صحابي أو تابعي كبير أو تابعي صغير ثقة ثبت، وزيادة الثقة أصل معمول عند الداعي إليها، لكنها ليست أصلًا يصار إلا إذا وجد اللازم لها بشرطها ولا بد.
وكما تكون الزيادة في المتن تكون كذلك في السند ومن هُنا عند من يكلف من يبحث له أو يحضر تأخذ العجلة نصيبها، ويأخذ الخلط نصيبه، وتأخذ الاتكالية نصيبها ويأخذ فقدان الموهبة نصيبه، فيحصل الخلط و (الجزم أحيانًا) بصحة ذلك الجزم، ومن هنا تدخل آراء الفقهاء والعلماء وتدخل بعض الحكم والأمثال على أنها: نص منصوص لا محيد عنه وإنما ذلك: رأي، أو كلمة عبرت، وأمر آخر هو الخلط بين زيادات الثقات وبين زيادات غير الثقات، وهذه بلية، وثالث مثلهما هو عدم التفريق بين الزيادة والإدراج.
وما من شك إن من أهم ما يجب اعتباره بجانب التقوى والورع هو: الموهبة بحال من أحوالها.
ولهذا ذخرت الكتب والرسائل والأوراق بكثير من خلط عجيب.
وهنا أمر ليس يقل أهمية عما سلف ذكره يتوجب ذكره: حال مريرة يستدعيها ما رأيته من سوء فهم بسبب العجلة أو عدم الفهم لضعف الحافظة الآلة المحافظة والمستوعبة لدى الإنسان.
أطرحه الآن لندرك مدى الحاجة إلى الحفظ والفهم والتجديد بإبداء ما لم يكن من: قبل وليبين ما أجلبه هنا ضعف الهمة، والاعتماد فقط على (الجمع) والتسويد وتكنيز المراجع وجعل الهامش أحيانًا يأخذ جل الصفحة ولو ناقشت مثل هذا بعد حين عن شيء ما بدقة وصفية لم يُجب للاعتماد على النقل دون حفظ سديد لكثير ما حققه أو تبناه.
فهل يوجد هذا مجتهدًا..؟ أو يوجد سيدًا يسد بعض ما سد السابقون..؟
يقول السيوطي في ص 196 من ج 2/من:
(تدريب الراوي) . (النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث وحكمه، هذا فن «علم» من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما) هذا كلام النواوي، قال السيوطي: (فيعمل به دون الآخر)
قال ابن لحيدان: (باجتهاد سليم صحيح لا يخالف نصًا آخر كان غائبًا أو قاعدة شرعية معلومة من الدين بالضرورة) قال النواوي: (وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني) الدقيقة، (وصنف فيه الإمام الشافعي) . وهو أول من تكلم فيه) (ولم يقصد رحمه الله استيفاءه) ولا إفراده بالتأليف (بل ذكر جملة منه) في كتاب الأم (ينبه بها على طريقة) .. (ثم صنف فيه ابن قتيبة فأتى فيه بأشياء غير حسنة) (وترك معظم المختلف، ثم صنف في ذلك ابن جرير والطحاوي كتابه «مشكل الآثار» قال صالح بن لحيدان: وكتابه هذا قمن بنظرة من عامة العلماء من أهل الفتياء والقضاء والباحثين وعلماء الأصول، قال السيوطي:(وكان ابن خزيمة من أحسن الناس كلامًا فيه، حتى قال: لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما) ، (ومن جمع ما ذكرنا) من الحديث والفقه والأصول والغوص على المعاني الدقيقة (لا يشكل عليه) من ذلك (إلا النادر في الأحيان، ويوجه السيوطي كلامًا جديرًا بنظرة على كل حال، فهو يستطرد:(والمختلف قسمان: أحدهما يمكن الجمع بينهما) بوجه صحيح (فيتعين) ولا يصار إلى التعارض ولا النسخ (ويجب العمل بهما) ومن أمثلة ذلك في أحاديث الأحكام: حديث «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» ، وحديث: «خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» ، فإن الأول ظاهره طهارة القلتين تغير أم لا،
والثاني: ظاهره طهارة غيرالمتغير، سواء كان قلتين أم أقل، فخص عموم كل منهما بالآخر، وفي غيرها: حديث «لا يورد ممرض على مُصح» ، وفر من المجذوم فرارك من الأسد، مع حديث: لا عدوى وكلها صحيحة، وقد سلك الناس في الجمع أمورًا:
1 أحدها: أن هذه الأمراض لا تُعدي بطبعها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، وقد يتخلف ذلك عن سببه، كما في غيره من الأسباب، وهذا المسلك هو الذي سلكه ابن الصلاح.
الثاني: أن نفي العدوى باق على عمومه، والأمر بالفرار من باب سد الذرائع، ولئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى؛ ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج، فأمر بتجنبه حسمًا للمادة وهذا المسلك هو الذي اختاره شيخ الإسلام،
قال ابن لحيدان: ومثل هذا إنما يحتاج إلى المواهب الفذة العالية، ولا يقدر العجول، ومن لا يقوم بنفسه على الجمع بين المتضاد ظاهرًا من النصوص على مثل هذا، والمنزل هو الله جل وعلا للوحي، والعقل خالقه هو الله جل وعلا، ومن هنا فإنه يتعذر تصادم نص بنص أمام عقل كبير سليم من الشهوة والشبهة.
والجمع بين المتعارض من الآثار زل بسبب عدم الإحاطة به أناس كثيرون خاصة في هذا العصر الذي ركب فيه جل الناس حفظ الكتاب دون حفظ الصدر مع سعة المدرك، الذي ركب فيه الناس، حب الدعة وخفاف الوطء وهون السير، وطراوة الليل وشرب القيل، ونيل العاجل بأخذ الذيل،
وأعود إلى السيوطي فهو يقول:
3 (الثالث: أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله: لا عدوى أي إلا من الجذام ونحوه، فكأنه قال: لا يعدي شيء شيئًا إلا فيما تقدم له أنه يعدي قاله أبو بكر الباقلاني.
4 الرابع: أن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم لأنه إذا رأى الصحيح تعظم مصيبته، وتزداد حسرته ويؤيده حديث: لا تديموا النظر إلى المجذومين، فإنه محمول على هذا المعنى، وفيه مسلك آخر،
(و) القسم (الثاني: لا يمكن) الجمع بينهما (بوجه فإن علمنا أحدهما ناسخًا) بطريقة مما سبق (قدمناه وإلا عملنا بالراجح) منهما (كالترجيح بصفات الرواة) أي كون رواة أحدهما أتقن وأحفظ، ونحو ذلك مما سيذكر (وكثرتهم) في أحد الحديثين (في خمسين وجهًا) من المرجحات ذكرها الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ، ووصلها غيره إلى أكثر من مائة كما استوفى ذلك العراقي في نكته، وقد رأيتها منقسمة إلى سبعة أقسام).