ـــــــــــــــــــــــــــــ
منفي إذا صحبها حرف نفي وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قال قائل كاد زيد يبكي فمعناه قارب زيد البكاء فالمقاربة ثابته والبكاء منتف فإذا قال: لم يكد يبكي، فمعناه لم يقارب البكاء، فمقاربة البكاء منفية، ونفس البكاء منتف انتقاء أبعد من انتقائه عند ثبوت المقاربة [1] ، ولهذا كان قول ذي الرمة:
899 -إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح [2]
صحيحا بليغا؛ لأن معناه: إذا تغير حب كل محب لم يقارب حبي التغير، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه، فهذا أبلغ من أن يقول: لم يبرح، لأنه قد يكون غير بارح وهو قريب من البراح بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح، وكذا قوله تعالى:
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها [3] هو أبلغ في نفي الرؤية من أن يقال. لم يرها، لأن من لم ير، قد قارب الرؤية بخلاف من لم ير ولم يقارب [4] ، وأما قوله تعالى:
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [5] فكلام يتضمن كلامين مضمون كل واحد -
(1) ينظر الإيضاح شرح المفصل لابن الحاجب (717) ، حيث ذكر صاحبه فساد مذهب القائلين بأن «كاد» إثباتها نفي ونفيها إثبات.
(2) البيت من الطويل وهو في التذييل (4/ 368) ، والإيضاح لابن الحاجب (717) ، وابن يعيش (7/ 124، 125) ، وشرح التسهيل للمرادي (1/ 412) ، وشواهد التوضيح (80) ، وتعليق الفرائد (1056) ، والخزانة (4/ 74) ، والعيني (3/ 378) ، ودلائل الإعجاز (182) ، والشواهد في النحو العربي (319) ، وحاشية الخضري (1/ 125) ، والأشموني (1/ 268) ، وشرح الرضي (2/ 302) ، وديوانه (86) ، واللسان (رسس) . ويروى أيضا برواية: إذا غير الهجر مكان (النأي) ، (لم أجد) مكان (لم يكد) .
اللغة: الرسيس: الخفي والكلام الخفي.
والشاهد قوله: «لم يكد رسيس .. يبرح» فإنه يدل على أن رسيس الهوى قد فارقه.
(3) سورة النور: 40.
(4) في شرح المفصل لابن يعيش (7/ 124) ، «واضطربت آراء الجماعة في هذه الآية فمنهم من نظر إلى المعنى وأعرض عن اللفظ وذلك أنه حمل الكلام على نفي المقاربة لأن «كاد» معناها قارب، فصار التقدير: لم يقارب رؤيتها وهو اختيار الزمخشري ومنهم من قال: التقدير لم يرها ولم يكد وهو ضعيف لأن لم يكد إن كانت على بابها فقد نقض أول كلامه بآخره وذلك أن قوله: لم يرها لم يتضمن نفي الرؤية ولم «يكد» فيه دليل على حصول الرؤية وهما متناقضان، منهم من قال إن «يكد» زائدة والمراد ولم يرها وعليه أكثر الكوفيين. اه. وينظر الصاحبي (245) .
(5) سورة البقرة: 71.