سكت الدهر زمانًا عنهم ... ثم أبكاهم دمًا حين نطق ورأى أبو بكر الداني حفيد المعتمد وهو غلام وسيم قد اتخذ الصياغة صناعة وكان يلقب في أيام دولتهم"فخر الدولة"وهو من الألقاب السلطانية عندهم، فنطر إليه وهو ينفخ الفحم بقصبة الصائغ، فقال من جملة قصيدة:
شكاتنا فيك يا فخر العلا عظمت ... والرزء يعظم فيمن قدره عظما
طوقت من نائبات الدهر مخنقة ... ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما
وعاد طوقك في دكان قارعةٍ ... من بعدما كنت في قصر حكى إرما
صرفت في آلة الصواغ أنملةً ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فما
يا صائغًا كانت العليا تصاغ له ... حليًا وكان عليه الحلي منتظما
للنفخ في الصور هولٌ، ما حكاه سوى ... أني رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذا نظرت عيني عليك به ... لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطك الدهر لما حط من شرفٍ ... ولا تحيف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكبًا إن لم تلح قمرا ... وقم بها ربوةً إن لم تقم علما
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ... ولو وفى لك دمع العين لانسجما
أبكى حديثك حتى الدهر حيد غدا ... يحكيك رهطًا وألفاظًا ومبتسما ولا حاجة إلى الزيادة على ما اودعناه (1) هذه الترجمة.
واللورقي: بضم اللام وسكون الواو والراء وبعدها قاف، هذه النسبة إلى الورقة، وهي مدينة بالأندلس، وهذا الشاعر ذكره في"الخريدة"وقال: عاش بعد الخمسمائة (2) طويلًا، واورد كثيرًا من شعره.
وأغمات: بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وفتح الميم وبعد الألف تاء مثناة
(1) بر: أوردناه في.
(2) ق: المائة.