الأقل. ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة، ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها، وهو مجلد واحد.
ومما اختصوا به في ملة (1) الإسلام وأخرجوه من القوة إلى الفعل - وإن كان أرباب الأرصاد المتقدمون على الإسلام قد فعلوه، لكنه لم يقل إن أحدًا من أهل هذه الملة تصدى له وفعله، إلا هم - وهو أن المأمون كان مغرى بعلوم الأوائل وتحقيقها، ورأى فيه أن دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل، كل ثلاثة أميال فرسخ، فيكون المجموع ثمانية آلاف فرسخ، بحيث لو وضع طرف حبل على أي نقطة كانت من الأرض، وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض، والتقى طرفا الحبل، فإذا مسحنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل.
فأراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك، فسأل بني موسى المذكورين عنه فقالوا: نعم، هذا قطعي. فقال: أريد منكم أن تعملوا الطريق الذي ذكره المتقدمون حتى نبصر هل يتحرر ذلك أم لا، فسألوا عن الأراضي المتساوية في أي البلاد هي فقيل لهم: صحراء سنجار في غاية الاستواء وكذلك وطأة الكوفة، فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم، ويركن إلى معرفتهم بهذه الصناعة، وخرجوا إلى سنجار، وجاءوا إلى الصحراء المذكورة، فوقفوا في موضع منها وأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات، وضربوا في ذلك الموضع وتدًا وربطوا فيه حبلًا طويلًا، ثم مشوا إلى جهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف إلى اليمين واليسار حسب الإمكان. فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتدًا آخر وربطوا فيه حبلًا طويلًا، ومشوا إلى جهة الشمال أيضًا كفعلهم الأول؛ ولم يزل ذلك دأبهم، حتى انتهوا إلى موضع أخذوا (2) فيه ارتفاع القطب المذكور، فوجدوه قد زاد على الارتفاع الأول درجة، فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبل، فبلغ ستة وستين ميلًا وثلثي ميل، فعلموا أن كل درجة من درج الفلك، يقابلها من سطح الأرض ستة وستون ميلًا وثلثان.
(1) ملة: سقطت من ق.
(2) لي: الموضع الذي أخذوا.