الذي بنى سورها، منبج ما وبين ذلك، وافتتح من بلاد الروم عدة حصون منها مرعش وبهسنا (1) وتلك الأطراف، وكان فتحه لمرعش في ذي القعدة من سنة ثمان وستين وخمسمائة ولبهسنا في ذي الحجة من السنة (2) ، وافتتح أيضًا من بلاد الفرنج حارم، وكان فتحها في أواخر شهر رمضان سنة تسع وخمسمائة، وفتح أعزاز وبانياس وغير ذلك ما تزيد عدته على خمسين حصنًا.
ثم سير الأمير أسد الدين شيركوه - المقدم ذكره - إلى مصر ثلاث دفعات، وملكها السلطان صلاح الدين في الدفعة الثالثة (3) نيابة عنه، وضرب باسمه السكة والخطبة، وهي قضية مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة في شرحها (4) ، وسيأتي ذلك في ترجمة صلاح الدين إن شاء الله تعالى.
وكان ملكًا عادلًا زاهدًا عابدًا ورعًا، متمسكًا (5) بالشريعة مائلًا إلى أهل الخير، مجاهدًا في سبيل الله تعالى، كثير الصدقات، بنى المدارس بجميع بلاد الشام الكبار مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة، وقد تقدم ذلك في ترجمة الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون، وبنى بمدينة الموصل الجامع النوري ورتب له ما يكفيه، وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي، وجامع الرها وجامع منبج، وبيمارستان دمشق، ودار الحديث بها أيضًا، وله من المناقب والمآثر والمفاخر ما يستغرق الوصف.
وكان بينه وبين أبي الحسن سنان بن سليمان (6) بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الفرقة الباطنية بالشام، وإليه تنسب الطائفة السنانية، مكاتبات ومحاورات بسبب المجاورة، فكتب إليه نور الدين في بعض الأزمنة كتابًا يتهدده فيه ويتوعده (7) لسبب اقتضى ذلك، فشق على سنان فكتب
(1) ق: وبهنشا، لي: وبهشنا.
(2) زاد هنا في ق: واعزاز وبانياس في ذي الحجة من السنة المذكورة؛ وسيأتي هذا بعد قليل.
(3) ق: الأولى والثالثة.
(4) ق: في ذكرها وشرحها.
(5) ق ر بر من: متمسكا.
(6) ق ر لي من: سلمان.
(7) لي ر ن: ويتواعده.