فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبس الفرزدق، وأنفذ (1) له زين العابدين اثني عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله تعالى لا للعطاء، فقال: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئًا لا نستعيده (2) ، فقبلها.
وقال محمد بن حبيب المقدم ذكره: صعد الوليد بن عبد الملك المنبر، فسمع صوت ناقوس فقال: ما هذا قيل البيعة، فأمر بهدمها، وتولى بعض ذلك بيده، فتتابع الناس يهدمون (3) ، فكتب إليه الأخرم (4) ملك الروم: إن هذه البيعة قد أقرها من قبلك، فإن يكونوا أصابوا فقد أخطأت وإن تكن أصبت فقد أخطأوا، فقال: من يجيبه فقال الفرزدق: تكتب إليه: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيهم غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكمًا وعلمًا - الآية) .
وأخبار الفرزدق مثيرة والاختصار أولى.
وتوفي بالبصرة سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يومًا، وقيل بثمانين يومًا، وقال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب"شذوذ العقود": إنهما توفيا سنة إحدى عشرة ومائة. وقال السكري: إن الفرزدق لقي علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وتوفي سنة عشر، وقيل اثنتي عشرة، قيل أربعة عشر وومائة.
وقال ابن قتيبة في"طبقات الشعراء" (5) : إن الفرزدق أصابته الدبيلة، فقدم به البصرة، وأتى الطبيب فسقاه قارًا أبيض، فجعل يقول: أتعجلون لي القار وأنا في الدنيا، ومات وقد قارب المائة، والله أعلم. وقد سبق في ترجمة جرير ما قاله لما بلغه وفاة الفرزدق، فأغنى عن الإعادة، رحمهما الله تعالى.
وذكر المبرد في كتاب"الكامل" (6) قال: التقى الحسن البصري والفرزدق
(1) ص: فأنفذ.
(2) بر: لا نسترده.
(3) ر: يهدمونها.
(4) الأخرم: هو جستنيان الثاني، الذي ملك حتى سنة 711، وكان معاصرًا للوليد.
(5) الشعر والشعراء: 385.
(6) الكامل 1: 119.