وغشي الناس من سحائب الإفضال والإنعام ما لم يؤرخ من غير تلك الأيام، وهذا كله وهو وزير متابع القوم، لكنه يقول بمذهب أهل السنة، غارس في البلاد أهل الفقه والعلم والتصوف والدين، والناس يهرعون إليه من كل صوب ويفدون عليه من كل جانب، وهو لا يخيب قاصدًا ولا يعدم وافدًا إلى سنة خمس وستين وخمسمائة"."
"ولما عرف نور الدين استقرار أمر السلطان بمصر أخذ حمص من نواب أسد الدين وذلك في رجب سنة أربع وستين".
"ولما علم الفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه يملك ببلادهم ويخرب ديارهم ويقلع آثارهم، لما حدث له من القوة والملك؛ واجتمع الفرنج والروم جميعًا وقصدوا الديار المصرية، فقصدوا دمياط ومعهم آلات الحصار وما يحتاجون إليه من العدد. ولما سمع فرنج الشام ذلك اشتد أمرهم، فسرقوا حصن عكار من المسلمين وأسروا صاحبها وكان مملوكًا لنور الدين ويقال له خطلخ العلم دار، وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة خمس وستين. ولما رأى نور الدين ظهور الفرنج ونزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم، فنزل على الكرك محاصرًا لها في شعبان من السنة المذكورة، فقصده فرنج الساحل فرحل عنها وقصد لقاءهم فلم يقفوا له، ثم بلغه وفاة مجد الدين ابن الداية، وكانت وفاته بحلب في شهر رمضان سنة خمس وستين، فاشتغل قلبه لأنه كان صاحب أمره، وعاد يطلب الشام، فبلغه أمر الزلازل بحلب التي أخربت كثيرًا من البلاد، وكانت في ثاني عشر شوال منها، فسار يطلب حلب، فبلغه خبر موت أخيه قطب الدين بالموصل - قلت: وقد ذكرت ذلك في ترجمته واسمه مودود (1) - قال: وبلغه الخبر وهو بتل باشر، فسار من ليلته طالبًا بلاد الموصل".
"ولما بلغ صلاح الدين قصد الفرنج دمياط واستعد لهم بتجهيز الرجال وجميع"
(1) انظر ج 5: 302 - 303.