وكذلك لا أعلمُ في مسند حديث "الموطأ" ومَرْفوعِه مَوْضِعًا أشْبَهَ بالقول في الماءِ المستعملِ من هذا الحديث، ونحنُ ذاكِرُو ذلك كلِّه هاهنا، ونَذْكُرُ حُكْمَ المضمضةِ والاستِنْثارِ أيضًا هاهنا؛ لأنّهما مُتقاربانِ في المعنَى عندَ العلماء، وبالله توفيقُنا، وهو حَسْبُنا لا شريكَ له.
فأمّا الاستِنْثارُ والاستِنْشاقُ فمعناهما واحدٌ مُتقارِبٌ، إلّا أنّ أخْذَ الماءِ بريحِ الأنفِ هو الاستِنْشاقُ، والاستِنْثارُ: رَدُّ الماء بعدَ أخْذِه بريح الأنفِ أيضًا وهذه حقيقةُ اللفظَتَيْن، وقد كان مالكٌ يرَى أنّ الاستِنْثارَ أنْ يجعَلَ يَدَه على أنفِه ويَستَنْثِرَ. وقد ذكَرْنا مذاهبَ العلماءِ في ذلك في بابِ أبي الزِّنَاد. وأكثرُ أهلِ العلم يَكْتَفُون في هذا المعنَى باللفظِ الواحدِ، وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - اللفظتان جميعًا، وذلك قولُه في هذا الحديث: "فإذا استَنْثَرَ" ، وقولُه في حديثِ أبي هريرة: "إذا توضَّأَ أحدُكم فلْيَجعَلْ في أنفِه ماءً، ثم لْيَنْثُرْ - ولْيَنْتَثِرْ - أو ليَسْتَنْثِرْ" (١) . ونحوُ هذا، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولُه في حديث أبي هريرةَ أيضًا: "مَن توضَّأ فلْيَسْتَنْثِرْ، ومَن استَجْمَرَ فليُوتِرْ" (٢) ، ورُوِيَ من حديث أبي رَزينٍ العُقَيْليِّ أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: "وبالِغْ في الاستِنْشاقِ إلّا أن تكونَ صائمًا" (٣) . ومن