بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللَّهُ على محمدٍ وعلى أهلِه، عونَك اللّهُمَّ
الحمدُ للَّه (١) الأوَّلِ الآخرِ، الظاهرِ الباطنِ، القادرِ القاهرِ، شُكْرًا على تفَضُّلِه وهدايتِه، وفزَعًا إلى توفيقِه وكِفايَتِه، ووَسِيلةً إلى حِفْظِه ورِعايتِه، ورَغْبَةً في المَزيدِ من كريم آلائِه، وجَميلِ بَلائِه، وحمدًا على نِعَمِه التي عَظُمَ خَطَرُها عن الجَزاءِ، وجَلَّ عدَدُها عن الإحصاءِ، وصلَّى اللَّهُ على محمدٍ خاتَم الأنبياءِ، وعلى آلِه أجمعِين، وسلَّم تَسْلِيمًا.
أما بعدُ، فإنِّي رأيتُ كُلَّ من قصَد إلى تخريج ما في "موطَّأ" مالكِ بنِ أنسٍ رحِمَه اللَّهُ، مِن حديثِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قصَد بزَعمِه إلى المُسْنَد، وأضْربَ عن المُنقَطِع والمُرْسَل، وتأمَّلْتُ ذلكَ في كلِّ ما انتَهى إليَّ ممّا جُمِعَ في سائرِ البُلْدان، وألّفَ على اخْتِلافِ الأزْمان، فلم أرَ جامعِيه وقَفُوا عندَ ما شرَطُوه، ولا سَلِمَ لهم في ذلك ما أمَّلُّوه، بل أدخلُوا مِن المُنقَطِع شيئًا في باب المُتَّصِل، وأتَوا بالمُرْسَلِ مع المُسْنَد.
وكلُّ مَن يتفَقَّهُ منهم لمالك وينْتَحِلُه إذا سألْتَ مَن شئتَ منهم عن مراسيلِ "الموطَّأ" ، قالوا: صِحاحٌ، لا يسُوغُ لأحدٍ الطعنُ فيها؛ لثِقَةِ ناقلِيها، وأمانَةِ مُرْسلِيها. وصدَقُوا فِيما قالُوه من ذلك، لكنها جُمْلَةٌ ينْقُضها تفسيرُهم بإضْرابِهم عن المُرْسَلِ والمَقْطُوع.