وفيه استعمالُ العُموم في الأخبارِ والأوامرِ، ألا تَرَى أن عمرَ اسْتَعْمَل ما سَمِع من النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قولَه: "خيرٌ لأحَدِكم ألَّا يأخُذَ من أحَدٍ شيئًا" على عُمُومِه؟ ولم تُوجِبْ عندَه اللغةُ في الخطابِ غيرَ ذلك، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بل بَيَّنَ له مُرادَه منه.
وفيه أن العُمُومَ جائزٌ عليه الخصوصُ.
وفيه كراهيةُ السؤالِ على كلِّ حالٍ. وقد قدَّمْنا ذكْرَ الآثارِ فيمن تَحِلُّ له المسألةُ، ومن لا تَحِلُّ له، في كتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِه هاهنا.
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قولُه في هذا الحديثِ: بعَث رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عمرَ بعطاءٍ؛ أي: مِمَّا كان يقْسِمُه من الفَيْء على سبيلِ الأُعْطيةِ. وهو بعيدٌ؛ لأنَّ أوَّلَ من فرَض الأُعْطِيَةَ عمرُ بنُ الخطابِ (١) ، ويَستحِيلُ أيضًا أنْ يَرُدَّ نَصيبَه مِن الفَيْء، ويقولَ فيه ذلك القولَ، لِمَن تدَبَّرَه. والوجهُ عندي أنَّها عَطِيَّةُ على وَجْهِ الهِبَةِ والهدِيَّةِ والصلةِ. واللّهُ تعالى أعلمُ.
وفي الحديثِ أيضًا أن الواجِبَ قَبولُ كلِّ رزقٍ يَسُوقُه اللّهُ عزَّ وجلَّ إلى العبدِ على أيِّ حالٍ كان، ما لم يكنْ حرامًا بَيِّنًا.