وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا سلَّم عليه، هل يُجزئُه ذلك من كلامِه إيّاه؟ فقال: يُنظَرُ في ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يهجُرَه؛ فإن كان قد عُلم منه (١) مكالمتُه والإقبالُ عليه، فلا يُخرِجُه مِن الهجرةِ إلّا سلامٌ ليس معه إعراضٌ ولا إدبارٌ (٢) . وقد رُويَ هذا المعنى عن مالكٍ؛ قيل لمالكٍ: الرجلُ يهجُرُ أخاه، ثم يبدو له فيسلِّمُ عليه من غيرِ أن يكلِّمَه؟ فقال: إن لم يكنْ مُؤْذيًا له لم يخرُجْ من الشَّحناءِ حتى يكلِّمَه، ويُسقِطَ ما كان من هجرانِه إيّاه (٣) . وقد ذكرنا في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عطاء بنِ يزيدَ، مِن كتابِنا هذا (٤) ، زيادةً مِن الأثرِ المرفوع في معنى (٥) هذا البابِ، وذكرنا في هذا البابِ قولَه: "ألا أدُلكم على شيءٍ إذا فعلْتموه تحابَبتم؟ أفْشُوا السَّلامَ بينَكم" (٦) . وفي ذلك دليلٌ على فضلِ السَّلام؛ لما فيه من رَفْعِ التَّباغضِ، وتوريثِ الوُدِّ، ولقد أحسَن القائلُ:
قد يمكُثُ الناسُ دهرًا ليس بينَهمُ ... وُدٌّ فيزرَعُه التَّسليمُ واللُّطفُ (٧)