أنَّ المتخلِّفَ بعُذْرٍ لم يُقْصَدْ إلى تفضِيلِ غيرِه عليه، وإذا بطَل هذانِ الوجهانِ، صَحَّ أنَّ المُرَادَ بذلك هو المتخلِّفُ عن الواجب عليه بغيرِ عذرٍ، وعلِمنا أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يُفاضِلْ بينَهما إلّا وهما جائزانِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أفضلُ منَ الآخر.
وممَّا يدُلُّ على ما ذكرنا حديثُ مِحْجَنٍ الدِّيليِّ، حينَ قال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما منَعَك أن تصلِّيَ معنا، ألستَ برجُلٍ مسلم؟ " قال: بلى، ولكنِّي قد صلَّيتُ في رَحِلي (١) . فعُلِمَ أنَّه إنَّما صلَّى في رحْلِه مُنفرِدًا. وكذلك قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إذا حضَرَتِ العَشاءُ وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فابدءُوا بالعَشَاءِ" (٢) . وقد يكونُ مِن العُذْرِ المَطَرُ والظُّلمةُ؛ لقولِه: "ألا صلُّوا في الرِّحالِ" (٣) . ومن العُذْرِ أيضًا: مُدَافعةُ الأخبثَين؛ الغائطِ والبولِ. وقد ذكرنا كثيرًا مِن هذه الآثارِ في مواضِعِها مِن كتابِنا، ومضَى القولُ هناك في معانيها، والحمدُ لله كثيرًا.