قال سيفٌ: حدَّثنا سهلُ بنُ يوسُفَ بنِ سَهْلِ بنِ مالكٍ الأنصاريُّ، عن أبيه، عن عُبيدِ بنِ صَخْرِ بنِ لُوذَانَ الأنصاريِّ، قال: بعَث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - معاذَ بنَ جبلٍ معلِّما لأهلِ اليمنِ وحضرَمَوْتَ، فقال: "يا معاذُ، إنَّك تَقدَمُ على أهلِ كتاب، وإنَّهم سائلُوكَ" . وذكَرَ الحديثَ، وفيه: "ولا تَقْضِينَّ إلَّا بعِلْم، وإن أشكَلَ عليكَ أمرٌ، فسَلْ، واستَشِرْ، فإنَّ المستَشِيرَ مُعان، والمستشَارَ مُؤتَمَن، وإن الْتُبِس عليكَ فقِفْ حتى تَتبيَّن، أو تكتُبَ إليَّ، ولا تَصْرِمَنَّ قضاءً فيما لم تَجدْه في كتاب الله أو سُنَّتي إلَّا عن ملأ" . وذكَر تمامَ الخبَر (١) .
وفيه: دليلٌ على عَظِيم ما كان عليه القومُ مِن الإنصافِ للعِلْم، والانقيادِ إليه، وكيف لا يكونون كذلك وهم خيرُ الأمم رضي اللهُ عنهم؟
وفيه: دليلٌ على استِعمالِ خبَرِ الواحِدِ وقَبولِه، وإيجابِ العمَلِ به، وهذا أوضَحُ وأقوَى ما يُرْوَى (٢) مِن جِهَةِ الأثَرِ (٣) في قبولِ خبَرِ الواحِدِ؛ لأنَّ ذلك كان في جماعةِ الصحابةِ وبمَحضَرِهم، في أمرٍ قد أشكَلَ عليهم، فلم يقولوا لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ: أنت واحِدٌ، والواحِدُ لا يجبُ قبولُ خبَره، إنَّما يجبُ قبولُ خبَرِ الكافَّةِ. ما أعظَمَ ضلالَ مَن قال بهذا! واللهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}