بابِ حديثِ الصَّلاةِ بالمُزدلِفةِ، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "وقد أتَى عرفةَ قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا" (١) ، وقد ذكرنا هُناكَ من قولِ إسماعيل ما فيه بيانٌ لما ذهب إليه مالكٌ.
وقال أبو الفرج وغيرُهُ من أصحابِنا: الدَّليلُ على أنَّ الوُقُوف ليلًا، هُو الفرضُ دُون النَّهارِ: حُكمُ الجميع لمن أدركَ بعضَ اللَّيلِ بتمام الحجِّ، وأنَّ إدراكَ أوَّله، كإدراكِ آخِرِهِ، وهذا يدُلُّ على أَنَّهُ كلَّهُ وقت للوُقُوفِ. ثُمَّ اتَّفقُوا أَنَّهُ لا حجَّ لمن دفعَ من عرفَةَ قبل الزَّوالِ، وقبل الظُّهرِ والعمرِ، فوجَبَ أن يُسوَّى كما يُسوَّى بين حُكم سائرِ اللَّيلِ، لأنَّهُ ما انتفى في بعضِ الجِنسِ، فهُو مُنتفٍ في سائرِهِ، وذكرُوا كلامًا كثيرًا، لم أر لذِكرِهِ وجهًا، وما قدَّمنا من قولِ إسماعيل وأبي الفرج في البابِ قبل هذا، هُو المُعتمدُ عليه في المذهبِ، واللهُ أعلمُ.
وأجمعُوا أنَّ الوُقُوف ببطنِ عُرَنةَ (٢) - مِن عَرَفة - لا يجوزُ، لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وارتَفِعوا عن بَطْن عُرَنة (٣) " . واختلفُوا فيمن وقف بها، ولم يقِف من عرفة بغيرِها، فقال مالكٌ: يُهريقُ دمًا، وحجُّهُ تامٌّ (٤) .
وقال الشّافِعيُّ: لا يُجزئهُ، وحجُّهُ فائتٌ. وبه قال أبو المُصْعَب المدنيُّ (٥) ، قال: عليه حجٌّ قابِل والهديُ، كمن فاتهُ الحجُّ (٦) .