فقال مالكٌ: إذا سلَّم المُسافِرُ، فأحَبُّ إليَّ أن يُقدِّمُوا رَجُلًا يُتِمُّ بهِم، وفي ذلكَ سِعةٌ. وقال الشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، والأوزاعيُّ: يُصلُّونَ فُرادي، ولا يُقدِّمُون أحدًا (١) .
وحُجَّتُهُم قولُ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأهل مكَّةَ: "أتِمُّوا صلاتكُم، فإنّا قومٌ سَفرٌ" (٢) . وقد فعلهُ عُمرُ، ولم يأمُر أن يُتِمَّ أحدُهُم بهِم.
واختلفُوا أيضًا في المُسافِرِ يؤُمُّ قومًا فيهِم مُسافِرُونَ ومُقيمُونَ، فيُحدِثُ بعد رَكْعةٍ، فيُقدِّمُ مُقيمًا (٣) .
فقال مالكٌ: يُصلِّي المُقيمُ تمامَ صلاةِ الأوَّلِ، ثُمَّ يُشيرُ إلى من خلفهُ بالجُلُوسِ، ثُمَّ يقومُ وحدهُ فيُتِمُّ صلاتهُ أربعًا، ثُمَّ يقعُدُ، ويتشهَّدُ، ويُسلِّمُ من خلفهُ من المُسافِرينَ، ويقومُ من خلفهُ من المُقيمينَ، فيُتِمُّوا لأنفُسِهِم. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والثَّوريُّ: يُتِمُّ المُسْتخلفُ صلاةَ الأوَّلِ، ثُمَّ يتأخَّرُ، ويُقدِّمُ مُسافِرًا يُسلِّمُ بهِم، فيُسلِّمُ معهُ المُسافِرُون، ويقومُ المُقيمُونَ فيقضُونَ وُحْدانًا.
وقال الشّافِعيُّ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ: يُتِمُّون كلُّهُم صلاةَ مُقيم (٤) .
قال أبو عُمر: مسائلُ السَّفرِ تَكثُرُ جِدًّا، وإنَّما ذكَرْنا منها ما كانَ في معنى حديثنا، وما يُعينُ على فَتْح ما انغلَقَ منها من معناهُ، وباللّه التَّوفيقُ.