وفيه أنَّ الرجلَ إذا دُعيَ إلى طعام جاز لجلسائِه أن يأتُوا معه إذا دعاهُم الرجل، وإنْ لم يَدْعُهم صاحبُ الطعام، وذلك عندي محمولٌ على أنَّهم علِموا أنَّ صاحِبَ الطعام تَطيبُ لهم نفسُه بذلك. ووجهٌ آخرُ، أن يكونَ الطعامُ يكفِيهم، وقد قال مالكٌ: لا ينبغي لمَن دُعيَ إلى طعام أنْ يَحمِلَ مع نفسِه غيرَه، إذ لا يدري هل يُسرُّ بذلك صاحبُ الطعام أم لا؟ قال مالك: إلّا أنْ يقالَ له: ادعُ مَن لقِيتَ.
وفيه اكتراثُ المؤمنِ عندَ ضيقِ الحال، إذا نزَل به ضيفٌ وليس معه ما يكفِيه من الطَّعام.
وفيه فَضلُ فطنةِ أمِّ سُليم؛ لحُسنِ جوابِها زوجَها حينَ شكا إليها كثرةَ مَنْ حلَّ به مع قلَّةِ طعامِه، فقالت له: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ؛ أي: لم يأتِ بهم إلّا وسيُطعمُهم.
وفيه الخروجُ إلى الطريقِ لمن قصَدَ، إذا كان أهلًا لذلك؛ لأنَّه من البرِّ.
وفيه أنَّ صاحبَ الدارِ لا يَستَأذِنُ في دارِه، وأنَّ من دخَل معه يَستغني عن الإذن.
وفيه أنَّ الصَّديقَ المُلاطفَ يأمُرُ في دارِ صديقِه بما يُحبُّ، ويُظهرُ دالَّتَه في الأمرِ والنَّهيِ والتَّحكُّم؛ لأنَّه اشترَط عليهم أن يُفَتَّ الخُبزُ، وهو فعلٌ يَرضَاه أهلُ الكَرَم من الضيف، ولقد أحسَن القائلُ (١) :
يَستَأنِسُ الضَّيفُ في أبياتِنا أبدًا ... فليس يعرِفُ خَلْقٌ أيُّنا الضَّيفُ