فكيفَ يجُوزُ مع هذا الحديثِ ومثلِهِ، أن يُحملَ قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "غُسلُ يوم الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ مُحتلِم" على ظاهِرِهِ؟ هذا ما لا سبِيلَ إليهِ.
ومِمّا يدُلُّ على ما قُلنا: أنَّ أبا سعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَوَى هذا الحديثَ، الذي ظاهرهُ الوُجُوبُ في (١) غُسلِ الجُمُعةِ، وكان يُفتِي بخِلافِ ذلك، وذلك دليلٌ على أنَّهُ فهِمَ من معنَى الحديثِ ومَخْرجِهِ وفحواهُ، أنَّهُ ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ المعنى فيه ما تأوَّلنا، وباللَّه توفيقُنا.
ذكر عبدُ الرزّاقِ (٢) ، عن عُمرَ (٣) بن راشدٍ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سلَمةَ، قال: سمعتُ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ، يقولُ: ثلاثٌ هُنَّ على كلِّ مُسلم يومَ الجُمُعةِ: الغُسلُ، والسِّواكُ، ومَسُّ طِيبٍ (٤) إن وجدَهُ.
قال أبو عُمر: معلومٌ أنَّ الطِّيبَ والسِّواكَ ليسا بواجبَيْن يومَ الجُمعة ولا غيرَه، فكذلك الغُسلُ، وقد رُوِيَ عن أبي سَعِيد الخُدْري ما يدلك على أنَّه حَمَلَهُ على خلافِ ظاهرِ حديثِهِ الذي رواهُ مالكٌ في هذا الباب (٥) .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحِيم، قال: حدَّثنا صالحُ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا الرَّبِيعُ بن بَدْرٍ، عنِ الجُرَيرِيِّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أتَى الجُمُعةَ فتَوضَّأ، فبها ونِعمَتْ، ومنِ اغتسَلَ، فالغُسلُ أفضَلُ" (٦) .