وقد رَوَى مِثلَ رِوايةِ ابنِ عُمر هذه جَماعةٌ من الصَّحابةِ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، أَنَّهُ سمِعَ ابنَ أبي مُليكةَ، يقولُ: حَضَرتُ جِنازةَ أُمِّ أبانٍ، وفي الجِنازةِ عبدُ اللَّه بن عُمرَ وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ، فجَلَستُ بينهُما، فبَكَى النِّساءُ، فقال ابنُ عُمرَ: إنَّ بُكاءَ الحيِّ على الميِّتِ عَذابٌ للميِّتِ. قال: فقال ابنُ عبّاس: صَدَرنا مع عُمرَ أميرِ المُؤمِنينَ، حتّى إذا كُنّا بالبَيْداءِ، إذا هُو بركبٍ نُزُولٍ تحتَ شَجَرةٍ، فقال: يا عبدَ اللَّه اذهَبْ، فانْظُر منِ الرَّكبُ، ثُمَّ الحَقْني. فذهَبتُ، فقلتُ: هذا صُهيبٌ مولى ابنِ جُدعانَ، فقال: مُرهُ فلْيلحَقْني. قال: فلمّا قَدِمنا المدينةَ، لم يلبَثْ عُمرُ أن طُعِنَ، فجاءَ صُهَيبٌ وهُو يقولُ: واأُخيّاهُ، واصاحِباهُ. فقال عُمرُ: مَهْ يا صُهيبُ، إنَّ الميِّت يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ عليه. فقال ابنُ عبّاس: فأتَيْتُ عائشةَ فسألتُها، فقالت: يَرْحمُ اللَّهُ عُمرَ، إنَّما قال رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ ليَزِيدُ الكافِرَ عذابًا ببعضِ بُكاءِ أهلِهِ عليه" . وقد قضى اللَّه {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: ٣٨] .
فهذا عُمرُ قد رَوَى في بُكاءِ الحيِّ على الميِّتِ، مِثلَ رِوايةِ ابنِهِ سَواءً، وهذا حديثٌ ثابتٌ عن عُمرَ صحيحُ الإسنادِ، لا مَقال فيه لأحَدٍ، وقد رواهُ عنِ ابنِ أبي (٢) مُليكةَ جماعةٌ، منهُم: أيُّوبُ السَّختِيانيُّ (٣) ، وغيرُهُ.