أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قال اللهُ تبارك وتعالى: كلُّ عملِ ابنِ آدم لهُ، الحَسَنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبع مئةِ ضِعفٍ، إلّا الصِّيامَ فهُو لي، وأنا أجزِي به، يَترُكُ الطَّعام لشَهْوتِهِ من أجْلِي، هُو لي وأنا أجْزِي به، ويَتْرُكُ الشَّراب لشَهْوتهُ من أجلي، هُو لي وأنا أجزِي به" (١) .
وقرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهم، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زِيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّهُ كان يُحدِّثُ عن ربِّهِ (٢) قال: "كلُّ ما يَعْمَلُهُ ابنُ آدمَ كفّارةٌ لهُ، إلّا الصَّومَ، يَدَعُ الصّائمُ الطَّعامَ والشَّرابَ من أجْلِي، فالصَّومُ لي وأنا أجْزِي به، وخُلُوفُ فَم الصّائم أطْيَبُ عِندَ الله من رِيح المِسْكِ" (٣) .
فإن قال قائلٌ: ما معنَى قولِهِ: "الصَّومُ لي، وأنا أجْزِي عليه" ، وقد عُلِمَ أنَّ الأعمالَ التي يُرادُ بها وجهُ الله، كلَّها لهُ، وهُو يجزِي بها؟
فمعناهُ، واللّهُ أعلمُ، أنَّ الصَّومَ لا يظهرُ منَ ابنِ آدمَ في قولٍ ولا عَملٍ. وإنَّما هُو نِيَّةٌ يَنْطوِي (٤) عليها صاحِبُها، ولا يَعلمُها إلّا الله، وليسَتْ ممّا تَظهرُ فتكتمها الحَفَظةُ، كما تكتُبُ الذِّكرَ والصَّلاةَ والصَّدقةَ وسائر الأعمالِ؛ لأنَّ الصَّومَ في الشَّرِيعةِ، ليسَ بالإمساكِ عن الطَّعام والشَّرابِ، لأنَّ كلَّ مُمسِكٍ عن الطَّعام