فصلُّوا جلوسًا ". كان في حينَ سقَط من فرسِه، فجُحِش شِقُّه قبلَ هذا الوقت، والآخرُ من فِعْلِه ينسخُ الأولَ؛ لأنه كان جالسًا في هذه الصلاة، وأبو بكرٍ قائمٌ خلفَه والناسُ، فلم يأمرْ أبا بكرٍ بالجلوسِ ولا أحدًا، وهذا بيِّنٌ غيرُ مُشكِل، والحمدُ لله. ومع هذا، فإن النظرَ يعضُدُ هذا الحديث؛ لأنَّ القيامَ فرضٌ في الصلاةِ بإجماع المسلمين على كلِّ مَن قدَرَ على القيام، وأظنُّ ذلك أيضًا لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] .
وإذا كان القيامُ فرضًا في الصلاةِ على كلِّ أحدٍ في خاصّتِه، فمُحالٌ أن يسقُطَ عنه فرضٌ قد وجَبَ عليه لضَعْفِ غيرِه عنه وهو قويٌّ عليه، إلا أن يسقُطَ بكتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماع، وذلك معدومٌ في هذه المسألة، ألا تَرى أنه لا يَحْمِلُ عنه رُكُوعًا ولا سُجودًا، فإن احتجَّ مُحْتَجٌّ بأن الآثارَ متواترةٌ عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال في الإمام: " إذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا". رواها أنسٌ، وعائشة (١) ، وأبو هريرة (٢) ، وجابر، وابنُ عُمر. قيل له: لسنا ندفعُ ثبوتَ تلك الآثار، ولكنّا نقولُ: إن الآخرَ من فعلِه - صلى الله عليه وسلم - ينسخُ ذلك.
فإن قيل له: إنه قد اختُلف عن عائشةَ في صلاتِه تلك؛ فرُويَ عنها أن أبا بكر كان المقدَّم. قيل له: ليس هذا باختلاف؛ لأنه قد يجوزُ أن يكونَ أبو بكرٍ هو المقدَّمَ في وقت، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المُقدَّمَ في وقتٍ آخر. وقد روَى الثقاتُ الحفّاظُ أنّ أبا بكر كان خلْفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي بصلاتِه، والناسُ قيامٌ يُصلُّون بصلاةِ أبي بكر، فهذه زيادةُ حافظ وصَفَ الحال، وأتى بالحديثِ على وَجْهِه.