أنهم قالوا فيمَن قتَل نفسَه: لا يُصلِّي عليه الإمامُ وحدَه عقوبةً له؛ لأنه مطالَبٌ بنفسِه، كما صنَع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالذي مات بخيبر، فقال فيه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "صَلّوا على صاحبِكم" . فنظَروا في متاعِه فوجَدوا خَرَزًا من خَرَز يهودَ لا يُساوي دِرهمين (١) . قالوا: فترَك الصلاةَ عليه لمكان ما كان به مطالَبًا من الغُلُول، وأمَر غيرَه بالصلاةِ عليه. قالوا: فكذلك الذي يقتُلُ نفسَه؛ لأنه مُطالَبٌ بها، لا يقدِرُ أحدٌ من أهلِ الدُّنيا على تخليصِه منها، وعلى هذا حمل أهلُ العلم حديثَ سِمَاكِ بنِ حَرْب، عن جابرِ بنِ سَمُرة، أنَّ رجلًا قتَل نفسَه بمِشْقَصٍ (٢) فلم يُصَلِّ عليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- (٣) . حملوه على أنه صلَّى عليه غيرُه، واللهُ أعلم. وذهَبوا إلى أن كلَّ مَن كان من أهل القِبْلةِ لا تُترَكُ الصلاةُ عليه، وعلى هذا جماعةُ العلماءِ إلّا أبا حنيفةَ وأصحابَه، فإنهم خالّفوا في البُغاةِ وحدَهم فقالوا: لا يُصلَّى عليهم؛ لأنَّ علينا منابذتَهم واجتنابَهم في حياتِهم قالوا: وبعدَ الموت أحْرى؛ لوُقوع اليأسِ من توبتِهم.
قال أبو عُمر: ليس هذا بشيء، والذي عليه جماعةُ العلماءِ وجمهورُ الفقهاءِ من الحجازيِّينَ والعراقيِّين، أنه يُصلَّى على مَن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ. مُذنِبينَ وغيرَ مُذنِبين، مُصِرِّين، وقاتلي أنفُسِهم، وكلِّ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. إلا أن مالكًا (٤) خالَف في الصلاةِ على أهل البِدَع، فكرِهَها للأئمّة، ولم يمنَعْ منها العامّة، وخالَف