لكنَّ المشكلةَ أنْ هذا النقصَ يحدثُ في شهرِ رمضانَ نفسِهِ والشهرُ لا يزالُ جاريًا!! بلْ وفي أيِّ وقتٍ منْ رمضانَ. في أفضلِ ليالي الشهرِ، في العشرِ الأواخرِ التي فيها ليلةُ القدرِ التي قالَ فيها ربُّنا تباركَ وتعالى: لَيْلَةُ ?لْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3] . وقال صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: (( التمسوْهَا في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ ) ) [رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ] . في هذه الليالي التي كانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ يجتهدُ فيها (العشرِ الأواخرِ) ما لا يجتهدُ في غيرِهِ كما روتْ ذلك أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها وكذلك قالتْ رضيَ اللهُ عنها: (كان رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا دخلَ العشرُ أحيا الليلَ وأيقظَ أهلَّه، وجدَّ وشدَّ المئزرَ) [رواه مسلمٌ] ، كلُّ ذلك تحريًا لليلةِ القدرِ التي قالَ فيها صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (( من قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابا غُفرَ له ما تقدمَ من ذنبِهِ ) ) [رواه البخاريُّ] .
لكنَّ الحسرةّ والخسارةَ أن تمرَّ علينا ليالي العشرِ وندركُ هذه الليلةَ العظيمةَ دونَ أن يُغفرَ لنا عياذًا باللهِ من ذلك. وإنَّ ما يَزيدُ الأسى والحزنَ أنْ تُقضَى هذه الليالي في التنقلِ بيْنَ الأسواقِ بحثًا عن أثاثٍ أو ثيابٍ أو غيرِ ذلك، فتُهجرُ المساجدُ وتُعمرُ الأسواقُ. تُهجرُ المساجدُ التي قالَ فيها رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: (( أحبُّ البلادِ إلى اللهِ مساجدُها ) )وتُعمرُ الأماكنُ التي قالَ فيها صلًَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (( أبغضُ البلادِ إلى اللهِ أسواقُها ) ) [رواه مسلمٌ] . وفي أيِّ الليالي؟ في أعظمِ ليالي السنةِ وأفضلِها، وفي أيِّ ساعةٍ؟ في الساعةِ التي ينزلُ فيها ربُّنا تبارك وتعالى إلى السماءِ الدنيا ليعطيَ السائلينَ ويغفرَ للمذنبينَ في الثلثِ الأخيرِ من الليلِ الذي قالَ فيه رسولُنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (( ينزلُ ربُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حينَ يبقَى ثلثُ الليلِ الآخرُ يقولُ: منْ يدعوني فأستجيبَ لهُ، من يسألُني فأعطيَه، من يستغفرُني فأغفرَ له ) ) [متفقٌ عليه] .
فلا إلهَ إلا اللهُ كيفَ انتصرَ الشيطانُ على كثيرٍ من أمةِ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ فصرفَهُم عنْ مثلِ هذه الفرصةِ العظيمةِ. إنَّهُ واللهِ لوْ لمْ يكنْ للشيطانِ مع أولئك إلا هذا الموقفُ الذي حرمَهُم فيه هذه الأجورَ العظيمةَ لكان ذلك غبنًا لهم ومكسبًا للشيطانِ ... فكيفَ وهوَ قدْ أوقعَهُم مع ذلك في كثيرٍ من المعاصِي ثم صرفَهُم عن الفرصةِ التي يمكنُهم فيها طلبَ العفوِ والحصولَ على عفوٍ شاملٍ لتلك الذنوبِ التي أوقَعَهُمْ فيها، بحرمانِهِم من قيامِ تلك الليلةِ التي من قامَها إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدمَ من ذنبِهِ.
فاللهَ اللهَ أيُّها المؤمنونَ لا تفوتنَّكم هذه الفرصةُ العظيمةُ، فواللهِ لا يدرِي أحدُنا هلْ يدركُها مرةً أخرى؟ أم يكونُ ساعتَها تحتَ الأرضِ مرهونًا بما قدمَ لنفسِهِ؟ وهي ليالٍ معدودةٌ تمرُّ سريعةً، فالموفقُ من وفقَهُ اللهُ لاغتنامِها، جعلنا اللهُ وإياكم ممنْ وُفقوا لقيامِ ليلةِ القدرِ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ الذي خلقَ الإنسانَ من ترابٍ، وفاوتَ بينَ الناسِ في الأخلاقِ والآدابِ، كما فضَّل بعضَ الأزمنةِ على بعضٍ بحكمتِهِ، ووفقَ من شاءَ لطاعتِهِ برحمتِهِ. أحمدُه سبحانَه على كلِّ حالٍ، وأشكرُه على دوامِ الإنعامِ والإفضالِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ المتفردُ بالجلالِ والكمالِ، لهُ الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العلى، يعلمُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ وما بينَهما وما تحتَ الثرى.
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المبعوثُ رحمةً للعالمينَ، بلَّغَ البلاغَ المبينَ، صلَّى اللهُ عليه وعلى خلفائِهِ الراشدينَ، وآلِ بيتِه الطيبينَ، وصحابتِهِ الكرامِ الميامينَ، والتابعينَ لهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وسلَّمَ تسليما كثيرًا.
أما بعدُ، معاشرَ المؤمنينَ فإنًَّ لهذه العشرِ فضائلَ وخصائصَ تجعلُ المؤمنَ الحريصَ على آخرتِهِ لا يفرِّطُ في دقائِقِها قبلَ ساعاتِها، فمنْ هذه الخصائصِ:
(يُتْبَعُ)