والصحيح أن هذه الأدلة الثلاثة غير كافية في إثبات أنّ الفعل مشتق من المصدر إذ لا يثبت أكثر من أن المصدر قبل الفعل وأصلٌ بنفسه، وإذا كان أصلًا في نفسه أو كان قبل الفعل لم يلزم أن يكون الفعل مشتقًا من المصدر. لكن الدليل القاطع أن يقال: استقرئت المشتقّات فوجدت تدل على ما اشتُقّت منه وزيادة وتلك الزيادة تعني فائدة الاشتقاق نحو: أحمر، مشتق من الحمرة ويزيد على ذلك بالشخص، وكذلك ضارب ومضروب يدلان على الضرب مع زيادة الشخص والأفعال تدل على المصدر مع زيادة الزمان فدل ذلك على أنّها مشتقة منه.
قوله: (والحرف ما دل على معنى في غيره) ، ليس بحدَ صحيح للحرف، لأنّه ليس بمانع لأن الأسماء قد تدلّ على معنى في غيرها، ألا ترى أنّك إذا قلت: قبضتُ بعضَ الدراهم، أدت «بعض» من المعنى في الدراهم ما تؤديه «مِنْ» إذا قلت: من الدراهم، فلا بد أن يقول في حد الحرف: كلمة تدل على معنى في غيرها ولا تدل على معنى في نفسها، وحينئذٍ لا تدخل عليه الأسماء، لأن الأسماء وإن دلّت على معنى في غيرها فهي مع ذلك دالّة على معنى في نفسها، ويسلم الحَدّ أيضًا من إدخال «ما» فيه.