فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 831

اعلم أنَّ جواب الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض مجزوم.

وقول أَبي القاسم: والجَحد، غلط، لأنَّه إنَّما جزم جواب الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض لشبهه بالشرط وفعله، وذلك إذا قلت: قم، أَو لا تقم، أَو ليت لي مالًا، لم توجب شيئًا ولم تنفه، فأشبه إنْ يَقُمْ، في أَنَّك لم توجب شيئًا ولم تنفِه، وليس كذلك النفي.

واختلف في سبب جزم هذه الجمل ما بعدها. فمنهم من ذهب إلى أنها جزمت لكونها متضمنة معنى الشرط، لأنَّكَ إذا قلت: أطعِ اللَّه يغفرْ لكَ، فإنّما جزم جواب أطع الله لأنّه ضمّن معنى إن تُطِعْ.

ومنهم من ذهب إلى أنَّها إنّما جزمت لنيابتها مناب الشرط وفعله، فالأصل عندهم في: أطعِ اللَّهَ يغفرْ لكَ، أن تُطِعِ اللَّهَ يغفرْ لكَ، فحُذف أطعِ اللَّهَ وأُقيم إن تُطِعْ اللَّهَ مقامه.

وهذا هو الصحيح، لأنَّ العامل لا يوجد جملة في موضع، وإذا كان التقدير في أطعِ اللَّهَ يغفرْ لكَ على ما ذكر من حذف أداة الشرط وفعله كانت الجملة الأولى جازمة بنيابتها مناب الجازم لا بحق الأصل.

واختلف أهل البصرة والكوفة متى يجزم جواب النهي. فمذهب أهل البصرة أنّه لا يجوز جزم جواب النهي حتى يصوغ فيه دخول حرف الشرط عليه مع أداة النهي نحو: لا تعصِ اللَّهَ يَغْفِرْ لكَ، لأنَّه يسوغ أن تقول: إنْ لا تَعصِ اللَّهَ يغفرْ لكَ، ولا يجوز لا تعصِ اللَّهَ تندمْ، لأنَّه لا يسوغ أنْ تقول: إنْ لا تَعصِ اللَّهَ تَنْدَمْ.

ومذهب أهل الكوفة أنَّه يجوز جزم جواب النهي إذا صحَّ معنى الشرط وصحَّ وقوع الفعل المنهى عنه مع أداة النهي أو دونها بعد أداة الشرط، فيجيزون: لا تعصِ اللَّهَ تَنْدَمْ، لأنَّه قد ضُمِّنَ لا تعصِ معنى أنْ تعصِ اللَّهَ تندَمْ. وهذا فاسد، لأنَّ الجملة الأولى نائبة مناب أداة الشرط وفعله ولا يجوز أن تناب منابها حتى يكون الفعل المنهى عنه موافقًا لفعل الشرط في الحرف الداخل عليه فلا يجوز: لا تعصِ اللَّهَ تندمْ، لأنَّك إذا قدَّرت في الأصل: إلاّ تَعصِ اللَّهَ إنْ تعصِ اللَّهَ تندمْ، لم يجز أن تُقيم إلاّ تَعصِ اللَّهَ مقام إن تَعصِ، لأنَّه غير موافق له في الحرف الداخل عليه.

وأمَّا ما ورد في الحديث من حملهم: لا تُشرِف يُصِبكَ سَهمٌ، فإنَّه من تسكين المرفوع الذي لا يجوز إلاّ ضرورة أو في قليل من الكلام نحو قول امرئ القيس.

فاليومَ أشربْ غيرَ مستَحقِبٍ

إثمًا من اللَّهِ ولا واغِلِ

فأمَّا المثال الذي أتى به أبو القاسم بجزم جواب النهي وهو: لا تقصدْ زيدًا تندم، فالظاهر أنَّه أخذ مذهب أهل الكوفة، لأنه لم يرد أنْ لا تَقْصِدْ زيدًا تندمْ، وإنَّما أراد: إنْ تَقْصِدْ تندمْ.

فإن لم تُضمَّن الجملة معنى الشرط ارتفع الفعل نحو: {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَرَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (الصف: 10، 11) . وكذلك قول الشاعر:

كُرّوا إلى حَرَّتيكُم تعمرونَهُما

كما تَكُرُّ إلى أوطانها البَقَرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت