فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 831

الندبة نداء الميت بما هو منه بسبب. فمثال نداء الميت: يا زيدُ، وواعمرو، ومثال ما هو منه بسبب قول الشاعر:

وتقولُ سَلمَى يا رزَّيتيَه

فالرزية ليست ممّا يموت ولكن نداؤها هنا على معنى أنَّ هذا موطنك وأوانك فتعالى.

وفيه لغتان: يا زيدُ، ويا زيداه. وزعم الأخفشُ أنَّ لحاق هذه العلامة ليست من كلام الرجال وإنَّما تتكلَّم بها النساء مع أنَّ النساء يقلن: يا زيداه ويا زيدُ، فحصل من هذا أنَّ عدم اللحاق المراد الرجال لا يلحقونها.

وحروف هذا الباب «يا» و «وا» . والمختص منا «وا» لا يكون في غير الندبة. وسائر الحروف ما عدا «يا» تكن في كل منادى غير مندوب ولا مستغاث به وتكون «يا» في الجميع.

وإنّما كانت كذلك لأنَّها أم الباب، ألا ترى أنَّ «أيا» هي «يا» دخلت عليها الهمزة، وهَيا هي أيا أبدلت منها الهاء كما قالوا: إياك وهيّاك وإنّك وهِنّك.

ومنهم من قال: إنَّما «هَيَا» هايا، و «ها» للتنبيه حذفت ألفها لمّا رُكّبت، وأما وا فمختصة بالندبة. وأما الهمزة فهي للقريب. وأما أيّ فهي لم تكثر كثرة يا، فلما كانت للأصل استعملت في كل موضع.

واعلم أنَّك لا تندب النكرة لأنَّ المقصود بالندبة ذكر المندوب بأشهر أسمائه ليكون عذرًا للمتفجَّع عليه، فإذا قلت: يا أبتاه ويا أخياه، فقد علم أنّك تفجّعت على من هو منك مناسب بسبب، وإذا قلت: يا رجلاه، لم يعلم مَنْ المتفجَّع عليه فصرت كمن قال: يا مَنْ لا يَعنيني أَمرُه، وكذلك زعم سيبويه رحمه الله.

ولا يجوز أن تندُبَ مضمرًا لأنّه لا يخلو من أن يكون غائبًا أو متكلمًا أو مخاطبًا.

أما الغائب فقد عزموا على عدم ندائه لمناقضته النداء، ألا ترى أنَّ النداء خطاب.

وأما ضمير المتكلم فلا يتصوَّر لأنَّ المتكلم حيّ والمندوب ميت.

وأما المخاطب فهو في غير هذا الموضع عزيز النداء لا يجوز أن يُنادى إلاّ في ضرورة الشعر أو نادر كلام كقوله:

يا أقرعُ بنُ حابسٍ يا أنتا

أنتَ الذي طلَّقت عام جُعتا

فكما كان نداء المخاطب لا يجوز إلاّ قليلًا فكذلك هذا.

فقد تبيّن ما معنى الندبة ومن يُندَب ومن لا يُندَب وحروف الندبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت