فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 831

قد تقدَّم الخلاف في الفعل الذي بعدها بِمَ انتصب. هل بها نفسها وهو مذهب الجرمي، أو بالخلاف وهو مذهب أهل الكوفة، أَو بإضمار أَنْ وهو مذهبنا، وهو الصحيح على ما استقر.

وإنما تنصب في الأجوبة الثابتة، وعلّة ذلك أنَّها لا يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها إلاّ في الأجوبة. وأَما الإِيجاب نفسه فلا يتصور فيه الخلاف، فلهذا يكون ما بعدها أبدًا محمولًا على ما قبلها نحو أَن تقول: يقومُ زيدٌ فيقعدُ، أَلا ترى أَنك لو نصبت لكان المعنى مع الرفع واحدًا: لأنك إذا قلت: يكون قيامٌ فقعودٌ، كان معناه معنى يقومُ فيقعدُ، فلما استوى المعنيان وكان في أحدهما الحمل والعطف على التوهم لم يجز.

أَلا ترى أنهم يحملون على الأول لمشاكلتهما في اللفظ مع فساد المعنى، فالأحرى أن يحملوا عليه مع أنه يكون في تركه الفساد من الطريقين وهما العطف على التوهم وترك اللفظ.

فأَما إذا لم يكن اللفظ واجبًا فإنَّك إذا حملت على الأول كان للكلام معنى، وإذا لم تحمل وعدلت كان للكلام معنى آخر، فلهذا تصور النصب حتى يكون لذلك المعنى لفظ يعبر به عنه فلا يكون النصب إلاّ بالخلاف، أَي حيث يكون الخلاف. فنزعم نحن أنَّ النصب حيث يكون، وهم يزعمون أنَّه يكون بنفس الخلاف. فلنأخذ الأجوبة واحدًا واحدًا.

وأمَّا النهي فلا يكون إلاّ بالفعل فتقول: لا تضربْ زيدًا فتُهينه، فما بعد الفاء يتصوَّر فيه ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجزم.

فإن جزمت فإنه يكون شريكًا للأول فيكون المعنى: لا تضربْ زيدًا ولا تُهِنْهُ.

وإنْ نصبت كان الفعل منصوبًا بإضمار أَنْ فيكون معطوفًا على مصدر الفعل الأول فتقول: لا يكن منك ضربٌ فيكون بسببه إهانة، فهذا يفارق معنى العطف والجزم، لأنك في الجزم تنهاه عن الإِثنين ابتداء، وأَنت في النصب نهيته عن أَن يكون الفعل سببًا للثاني، فهذان معنيان مُتصوَّران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت