فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 831

اعلم أَنَّ الأمر لا يخلو أَن يكون لمخاطب أَو غائب أَو متكلم. فإِن كان لغائب كان باللام ولا يجوز أَن يكون بغير اللام. وسبب ذلك، أعني إنْ كان أَمر المتكلم باللام، أَن يلتبس بأمر المخاطب.

فإِنْ كان الأمر للمخاطب فلا يخلو من أَن يكون مبنيًّا للمفعول أَو للفاعل. فإِنْ كان للمفعول فلا بدَّ من اللام ولا يجوز حذفها لتوالي الحذف، أَلا ترى أَنَّه قد حذف الفاعل وقام المفعول مقامه، فكرهوا توالي الحذف.

فإِن كان مبنيًا للفاعل جاز فيه وجهان: الأمر باللام ودونها، وهو الأفصح فتقول لِتَضرِبْ، واضربْ.

وإِن كان الأمر بالام فهو مجزوم الآخر. وإِن كان بغير لام فلا يخلو أن يكون ما بعد حرف المضارعة متحرِّكًا في اللفظ أَو في التقدير أَو ساكنًا.

فإِن كان متحركًا في اللفظ حذفت حرف المضارعة وسكنَّت آخره فقلت في يقوم: قُمْ. وإِن كان متحرِّكًا في التقدير نحو يُكرم حذفت حرف المضارعة ورددت المحذوف وسكنَّت آخره فقلت: أَكرِمْ.

فإِن كان ما بعد حرف المضارعة ساكنًا فإِنَّك تجلب همزة الوصل إذا حذفت حرف المضارعة لأنَّه لا يبتدأ بساكن، ثم تنظر ثالث الفعل فإِن كان مكسورًا أو مفتوحًا كانت الهمزة مكسورة نحو: إذهَب وإضرِب، وإن كان مضمومًا ضممت نحو: أُقتُل.

واختلف أهل الكوفة والبصرة في الأمر بغير لام، فزعم أَهلُ الكوفة أنَّه معرب وزعم أهل البصرة أَنَّه مبني. والصحيح أَنَّه مبني لأمور منها: أَنَّ الفعل أصله البناء وإِنَّما أعرب منه ما أشبه الاسم وهذا لم يشبه فبقي على أصله من البناء.

ومنها أنه لو كان معربًا لكان مجزمًا ومجزوم دون جازم لا يتُصَّور، ولا يجوز أَن يكون الجازم مضمرًا لضعفه، أَلا ترى أَنَّ الجار لا يضمر مع أَنَّه أَقوى منه، ولا يُلتفت إلى قوله:

محمّدُ تفدِ نفسَكَ كلُّ نفسٍ

لشذوذهِ.

واستدل الكوفيون على أنَّهُ معرب بأنَّ البناء لزوم الآخر سكونًا أَو حركة ولم يوجد الحذف من علامات البناء ووجدناه من علامات الإِعراب نحو: ليغزُ، وهم يقولن: أُغزُ وارمِ، فدلَّ على أَنّه معرب.

ولا حجة لهم في هذا، لأنَّ من كلام العرب إذا أَشبه شيء شيئًا عومل معاملته، أَلا ترى أنه لما أَشبه المبني في باب لا التي للتبرئة وفي النداء المعرب أتبعوه على لفظه وإن كان المبني لا يجوز آتباعه إلاَّ على الموضع خاصة، فكذلك لما أشبه أغزُ لتغزُ، في معناه وفي حروفه وأَنَّه فعل أَمر مثله عاملوه معاملته في الحذف، فثبت أَنَّه مبني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت