فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 831

اعلم أنَّ حَبّذا مركبة من حَبَّ وذا، إلاَّ أن النحويين اختلفوا فيها. فمنهم من ذهب إلى أنَّ حبَّ مع ذا لم يُجعلا كشيءٍ واحدٍ، بل ذا عندهم فاعل حَبَّ والاسم الواقع بعد اسم الإشارة يجوز فيه على مذهب هؤلاء من الإعراب ما يجوز في اسم الممدوح أو المذموم في باب نعم وبئس فيكون خبر ابتداء مضمر وكأنه قال: هو زيدٌ، أي المحبوبُ زيدٌ، أو مبتدأ والخبر محذوف والتقدير: زيدٌ المحبوبُ، فحذف الخبر، أو يكون مبتدأ والخبر محذوف والتقدير: زيدٌ المحبوبُ، فحذف الخبر، أو يكون مبتدأ وحبّذا في موضع خبره واستغنى باسم الإشارة عن الضمير كما كان ذلك في قوله تبارك وتعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذلِكَ خَيْرٌ} (الأعراف: 26) . في قراءة من رفع لباس التقوى، أي هو خيرٌ.

والذاهبون إلى أنَّ حبّذا ليست بمنزلة كلمةٍ واحدة منهم من زعم أنَّ إفراد العرب لها في جميع الأحوال وكونها لم تتغيّر بالنظر إلى التثنية والجمع شذوذ. فلذلك لم يقل: حبّذانِ ولا حبَّ أُولاءِ بل جرى مجرى المثل، فكما لا يتغيّر المثل بل يبقى على صورة واحدة فكذلك هو، ألا ترى أنّك تقول: الصيفَ ضيّعتِ اللبَنَ للمفرد والمثنى والمجموع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد. وهذا فاسد لأنّه إذا أمكن أن يُحمل اللفظ على غير الشذوذ كان أولى.

ومنهم من زعم أن «ذا» إنما كان مفردًا مذكرًا على كل حال لأنه إشارة إلى مفرد مذكر محذوف والتقدير عنده في حبّذا زيدٌ: حبذا حسنُ زيدٍ، وكذلك حبّذا الزيدانِ، حبّذا حسنُ الزيدينِ، وكذلك حبّذا الزيدونَ، أي حبّذا حسنُ الزيدينَ، ثم حذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، وهو مذهب ابن كيسان، وهو فاسد لأنَّ العرب إذا حذفت المضاف وأقامت المضاف إليه مقامه فإنّما تجعل الحكم من تذكير وتأنيث وإفراد وتثنيه وجمع وغير ذلك على حسب الملفوظ به لا على حسب المحذوف فتقول: اجتمعت اليَمامَةُ، ولا تقول: اجتمعَ اليَمامةُ وإن كان الأصل قبل الحذف: اجتمعَ أهلُ اليَمامَةِ.

ومنهم من ذهب إلى أنَّ حبَّ مع «ذا» بمنزلة كلمة واحدة، واستدلوا على ذلك بكون اسم الإشارة لا يتصرف بحسب المشار إليه، ولو كان باقيًا على بابه لتصرَّف كتصرّفه في غير هذا الموضع، وبكون العرب لا تفصل بين حبَّ و «ذا» بشيء فلا تقول: حبَّ في دارِ ذا زيدٍ، تريد حبّذا في دارِ زيدٍ، وهو أولى من حمل ذا على الشذوذ.

والذاهبون إلى أنهما بمنزلة شيء واحد منهم من ذهب إلى أنَّ حبّذا كلّه فعل، ومنهم من ذهب إلى أنه اسم كلُّه.

والذاهب إلى أنه فعل استدلَّ على صحة مذهبه بأنَّ الفعل هو الأسبق والأكثر حروفًا فينبغي أن يُغلّب على الاسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت