أصل في الأفعال فرع في الأسماء والحروف، بدليل أَنَّ الأفعال كلّها عاملة، وأما الأسماء والحروف فلا يعمل منها إلاَّ ما أشبه الأفعال فدلَّ ذلك على أنَّ العمل كحق للأصالة إنّما هو للفعل، فما وجد على هذا من الأسماء والحروف عاملًا فينبغي أن يُسأل عن الموجب لعملها.
فإنَّ وأخواتها من الحروف العاملة فينبغي أن يُسأل عن الموجب لعملها. والذي أَوجب لها العمل عند محقّقي النحويين هو شبهها بالأفعال في الاختصاص. ذلك أن هذه الحروف تختص بالأسماء ولا تدخل على غيرها، كما أنَّ الأفعال تختص بالأسماء ولا تدخل على غيرها، وكلُّ حرف مختصٌ بما يدخل عليه ولا يكون كالجزء فإنّه يعمل فيما يختصّ به من اسم أو فعل. ألا ترى أنَّ عوامل الأسماء كلّها مختصة بها ولا تدخل على غيرها وكذلك عوامل الأفعال تدخل على الأفعال ولا تدخل على غيرها.
وإنّما تحرزت بقولي: ولم تكن كالجزء مما دخل عليه كقد والسين وسوف والألف واللام، وكذلك إنَّ السين وسوف قد اختصت بالأفعال إلاَّ أنّها صارت كالجزء من الفعل، والدليل على ذلك أنَّه لا يجوز الفصل بين هذه الحروف وبين الأفعال بشيءٍ إلاَّ قد فإنه قد يجوز الفصل بينها وبين الفعل بالقسم نحو قوله: قد واللَّهِ قامَ زيدٌ. ومما يدلّ على ذلك أنّك تقول: لقد قامَ زيدٌ، لسوف يقومُ زيدٌ. فتفصل بين لام التأكيد وبين الفعل بها، ولام التأكيد لا يجوز الفصل بينهما وبين الفعل بغير هذه الأشياء، فلولا أنَّ هذه الأشياء تنزَّلت من الفعل منزلة الجزء بدليل أنَّك تقول: مررتُ بالرجل، فتفصل بها بين حرف الجرّ والمجرور ولا يجوز الفصل بينهما بشيء، فلولا أنَّها مع الاسم كالشيء الواحد لما جاز ذلك.
فإن قيل: إنَّ حروف التحضيض لا يليها إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، فهي مختّصة به ولا تعمل مع ذلك في الأفعال، وذلك نحو: هلاّ تَضرِبُ زيدًا. فالجواب: إنَّ أدوات التحضيض يجوز فيها أن يليَها الاسم في اللفظ ويضمر معها الفعل وتارة لا يضمر الفعل بل يكون ظاهرًا، فصارت مثل الحروف التي لا تختص باللفظ.