يُحتاج في هذا الباب إلى معرفة خمسة أشياءٍ، القَسَم والمُقسَم به والمُقسَم عليهِ وحروف القَسَمِ والحروف التي تُعلِّق المُقَسَم به بالمقَسمِ عليه.
فأمّا القَسَم فهو جملة يؤكد بها جملة أُخرى كلتاها خبرية.
فقولنا: القسم جملة، يعني في اللفظ أو في التقدير. فأما في اللفظ فقولهم: أُقسِمُ باللَّهِ، وأما في التقدير فقولك: باللَّهِ والله، لأنَّ هذا المجرور متعلق بفعل مضمر للدلالة عليه، كأنه قال: أُقسِمُ باللَّهِ.
وقولنا: يؤكد بها جملة أُخرى، لأنَّ المُقسَم عليه يكون جملة أبدًا نحو قولك: باللَّهِ لأفعَلنَّ، وباللَّهِ لَزيدٌ فاعلٌ.
وزعم أبو الحسن أنَّ جواب القسم قد يكون لام كي مع الفعل، نحو قولك: باللَّهِ ليقومَ زيدٌ، فعلى هذا يكون الجواب من قبيل المفردات، لأنَّ لام كي إنّما تنصب بإضمار أنْ وأنْ وما بعدها بتأويل المصدر كأنّك قلت: باللَّهِ القيامُ، إلا أنَّ العربَ أجرت ذلك مجرى الجملة لجريان الجملة بالذكر بعد لام كي فوضعت لذلك ليفعلَ موضع ليفعلَنَّ، واستدل على ذلك بقول الشاعر:
إذا قلتُ قدْني قالَ: باللَّهِ حلِفَةً
لتغنيَ عنّي ذا إنائكَ أجمعا
فوضع لتغني موضع لتغنينَّ عني ذا إنائكَ. وهذا لا حجة فيه، لاحتمال أن يكون الجواب محذوفًا فيكون التقدير: قال: باللَّهِ حلفةً لتشرَبَنَّ لتغنيَ عني ذا إنائكَ أجمعا، ويكون لتغني متعلّقًا بالفعل المضمر الذي هو لتشرَبَنَّ. فكأنّه قال: لتَشرَبنَّ لتكفيني باقي إنائكَ وكذلك أيضًا استدل بقوله تعالى: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ} (الأنعام: 113) . جعل لتصغي جوابًا لقسم محذوف كأنه قال: واللَّهِ لتصغي إليهِ أفئدة الذين لا يؤمنون، أي لتصغَيَنَّ.