الاستثناء إخراج الثاني مما دخل فيه الأول بالأدوات التي وضعتها العرب لذلك وهي: إلاّ وغير وسِوَى وحاشى وخلا وعدا وما خلا وما عدا وليس ولا يكون.
وزاد بعضهم في هذه الأدوات لا سيَّما وبَلْهَ. وإدخالهما في هذا الباب خطأ على ما يُبيَّن بعدُ إن شاء الله تعالى.
وهذا الإِخراج قد يكون مما دخل فيه الأول بعموم لفظ متقدّم أو بحكمه أو بالمعنى. فمثال إخراجك الثاني من عموم لفظ الأول: قامَ القومُ إلاَّ زيدًا، فزيد مخرج من القوم المتقدمي الذكر.
ومثال إخراجك الثاني من عموم حكم اللفظ الأول: ما كلَّمتُ زيدًا إلاّ يومَ الجمعةِ.
فقولك: ما كلّمتُ زيدًا، يقتضي العموم في الزمان، فأخرجتَ يوم الجمعة مما يقتضيه حكم اللفظ.
ومثال إخراجك الثاني من عموم مفهوم من معنى الكلام المتقدّم: ما قامَ إلاّ زيدٌ، خرج زيد من عموم مفهوم معنى الكلام، ألا ترى أنَّ المعنى ما قام أحدٌ إلاّ زيدًا. إلاّ أنَّ هذا النوع لا يسمى استثناء إلاّ بالنظر إلى معناه.
وهذه الأدوات تنقسم أربعة أقسام: حرف واسم وفعل وما استعمل حرفًا وفعلًا.
فالحرف: إلاّ وحاشا ــــ في مذهب سيبويه ــــ ومذهب المبرّد أنّها قد تكون فعلًا، واستدل على ذلك بما حكي من كلامهم: اللَّهم اغفِرْ لي ولمن سمِعَني حاشى الشيطان وأبا الأصبغ. وبقول النابغة:
ولا أحاشِي من الأقوامِ من أحدِ
قال: فقوله: أُحاشي مضارع حاشَى فدلَّ ذلك على أنَّها فعل. وهذا باطل بل أُحاشي فعل مأخوذ من حاشى على حد ما تشتق الأفعال من الحروف نحو قولهم: سوَّفتُه، إذا قلتُ له: سوف أفعل كذا، ونحو قولهم: سألتك حاجةً فلوليتَ، أي قلت لولا كذا وكذا، وكذلك ولا أُحاشي، معناه: ولا أقول حاشى فلانٍ، وإنّما الدليل فيما حُكيَ إن صحَّ.
والاسم غير وسِوى وسُوِي وسَواء، والفعل: ليس ولا يكون وعدا وما عدا، وما خلا، وقد حكي بما خلا الجر فتكون ما حينئذٍ زائدة لا مصدرية وتكون خلا حرفًا.
والذي استعمل فعلًا وحرفًا خلا، إلاّ أنَّ الغالب عليها الفعلية فتكون فعلًا إذا نصبت ما بعدها، وتكون حرفًا إذا انخفض ما بعدها.
واختلف النحويون في قدر البعض المخرج. فمنهم من ذهب إلى أنَّه يجوز أنْ يخرج الأكثر ويترك الأقل، واستدل على ذلك بقوله:
أدُّوا التي نَقَصَتْ تسعون من مائةٍ
ثُمَّ ابعَثُوا حكمًا بالحقِّ قَوّالا
ووجه الدليل من هذا البيت أنَّ الاستثناء إخراج الثاني من الأول وهذا الشاعر قد أخرج تسعينَ من مائة، فكما ساغ له ذلك في غير الاستثناء فكذلك يجوز في الاستثناء.