قصده في هذا الباب أَن يبيّن مواضع النون الشديدة والنون الخفيفة، وهل تقع كل واحدة منهما في موضع الأخرى أَم لا. فتقول:
هذه النون ــــ أَعني الشديدة والخفيفة ــــ المراد بها تلخيص الفعل للاستقبال وهي لا تدخل إِلاَّ على فعل مستقبل لتأكيد معنى الاستقبال فيه.
فمن ذلك دخولها على فعل الأمر في قولك: اضربَنَّ زيدًا؟ وعلى الفعل المنهى عنه في قولك: لا تضرِبَنَّ خالدًا. وعلى جواب القسم في قولك: والله ليقومنَّ زيدٌ، وعلى فعل الشرط في قولك: أَنْ تضربنَّ زيدًا يُسيء إليك. وتدخل أَيضًا على الشرط مع ما الزائدة، ودخولها أفصح من عدم دخولها على ما يُبيّن بعدُ إِنْ شاء الله تعالى.
وتدخل أَيضًا على جوابه وذلك قليل جدًا في قولك: إِنْ تُكرِمْ زيدًا يُحسِنَنَّ إليك. وتدخل أَيضًا على ما الزائدة في قولك: بأَلمٍ ما تُخْتِنَنّه. فإن قيل: فلأي شيء اختصت بالدخولِ على الفعل المستقبل؟ فالجواب: لو دخلت على الماضي لناقض معناه، لأنَّ المراد بها تأكيد المستقبل، والماضي لا يصح ذلك فيه. وأَمَّا دخولها على الأمر فإِنَّ الأمر مستقبل لأنَّك طالب إيقاع فدخلت لتأكيد معنى الاستقبال.
وأَمَّا دخولهما على الفعل المستفهم عنه فلأنَّ المستفهم طالب الإِخبار كما أَنَّ الآمر طالب إيقاع الفعل. ولأنّه أَيضًا لا يحتمل الصدق والكذب كما أَنَّ الأمر كذلك.
وأمَّا دخولها على الفعل المنهى عنه فلأنَّ الناهي طالب كما أَنَّ الآمر كذلك. وأمّا دخولها على جواب القسم في قولك: واللَّهِ ليقومَنَّ زيدٌ، ففرقًا بين الجواب وخبر إِنَّ في قولك: إِنَّ زيدًا ليقومُ. لأنك لو حذفت النون في الجواب لألبس.
وأمَّا دخولها على فعل الشرط مع عدم ما فلأنَّ الشرط جزء كلام فأشبه الأمر في كونه لا يحتمل الصدق والكذب. ودخولها قليل وعلى ذلك قوله:
من تَثقَفَنْ منهم فليس بآيبٍ
أَبدًا وقتلُ بني قِتيبةَ شافِي
وأحسن من هذا أن يكون في الكلام ما الزائدة لأنَّ ما تعطي التأكيد كما أَنَّ النون كذلك.
وأَمَّا دخولها على جواب الشرط فقليل أَيضًا لكونه لا يحتمل الصدق والكذب. Y وأَمَّا دخولها على ما الزائدة في قولك: بألمٍ ما تُختننّه، فقليل لأنَّ المناسبة قد ضعفت.
وهي تنقسم في لزومها وعدم لزومها قسمين: قسم تلزم فيه وهو جواب القسم لأنَّك لو حذفت النون لالتبس بخبر إِنَّ في قولك: إِنَّ زيدًا ليقومُ. فإِن قيل: فإذا تقدم لفظ القسم فكان ينبغي أن تحذف إذ لأُليس، فالجواب: إِنَّه لما وقع في بعض المواضع اللبس حمل سائر المواضع عليه.
وقسم لا يلزم فيه وهو ما عداه.