فهرس الكتاب

الصفحة 734 من 831

القول لا يخلو أن يقع بعده مفرد أو جملة. فإن وقع بعده مفرد فلا يخلو أن يكون مصدرًا أو غير مصدر. فإن كان مصدرًا فلا تحكيه بل تنصبه بفعله مثل قولك: قال زيدٌ قولًا.

فإن كان غير مصدر فلا يخلو أن يكون اسمًا لجملة أَو لا يكون. فإن كان اسمًا لجملة نحو أَن تسمع من يقول: لا إلهَ إلاَّ الله، فتقول: قال زيدٌ حقًا، فإنَّك لا تحكيه.

واختلف فيه فمنهم من قال: إنَّه صفة لمصدر محذوف، فإذا قال: قال زيدٌ حقًا، فكأنه قال: قال قولًا حقًا، فحقًا صفة للمصدر المحذوف. وهذا باطل، لأنَّ حقًا ليس من الأسماء الجارية، والوصف بالأسماء غير الجارية ليس بقياس وإنّما يقال منه ما سمع مثل قولهم: مررتُ برجل حجَرِ الرأسِ.

ومنهم من قال: إنَّه منصوب على أنه مفعول به، وهو الصحيح. إذ لا مانع من ذلك.

فإن كان المفرد ليس اسمًا لجملة ففيه خلاف، منهم من قال: لا يُحكى ومنهم من قال: يحكى.

فالذي زعم أنه لا يحكى راعى فيه شبهه بالمفرد لأنه غير مفرد. والذي حكاه راعى شبهه بالجملة، وذلك أنه أَوردَ بعد القول لفظ المقول كما أن الجملة كذلك.

والصحيحُ أنه يحكى ولا يجوز فيه غير الحكاية، لأن الحكاية إمّا أن ترجع إلى اللفظ أو إلى المعنى. وباطل أن ترجع في مثل قولك: قال زيدٌ: عمرو، إلى المعنى، لأنَّ عمرًا اسم شخص والأسخاص ليست من جنس المقولات فلم يبق إلاّ أن ترجع الحكاية إلى اللفظ. وإذا كان كذلك فينبغي أن تحافظ على لفظ المتكلم، يريد من رفع أو نصب أو خفض.

وأيضًا فإن هذه المفردات الواقعة بعد القول إنما تحكى من كلام المتكلَّم بها، وباطل أن يتكلم بالمفردات من غير أن يلفظ بها في جملة، فإذا ثبت أنها منقطعات من جمل فينبغي أن تعامل معاملة الجمل وبذلك ورد السماع. قال امرؤ القيس:

إذا ذقتُ فاها قلتُ طعمُ مُدامةٍ

والنصب على تقدير: ذقتُ طعمَ مدامةٍ. فهو حكاية على الروايتين. وعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله تعالى: {يُقَالُ لَهُ إِبْرهِيمُ} (الأنبياء: 60) . على تقدير يقال له: يا إبراهيم. فحكي.

ومن رأى الإِعراب في المفرد يحمل إبراهيم على أنه مفعول مرفوع بيقال.

فإن كانت الجملة الواقعة بعد القول اسمية جاز لك مع الحكاية وجه آخر وهو أَن تعامل القول معاملة الظن فينتصب به المبتدأ أَو الخبر. وذلك لا يجوز إلاّ بأَربعة شروط: أَن يكون القول فعلًا مضارعًا لمخاطب قد تقدمه أداة الاستفهام غير مفصول بينها وبينه إلاّ بظرف أَو مجرور أَو أَحد مفعولي القول نحو قوله:

أَجُهّالًا تقولُ بني لؤي

لعمرُ أبيكَ أم متجاهلينا

إلاّ بني سليم فإنَّهم يُجرون القول أجمع مجرى الظن. كانت فيه الشروط الموصوفة أو لم تكن، وعلى ذلك قوله:

تقولُ هزيزَ الريحِ مرَّت بأثأبِ

فإنه روي بنصب هزيز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت