وهي فَعُولٌ وفَعّالٌ ومِفْعالٌ وفَعِلٌ وفَعيلٌ. فهذه الأمثلة التي تعمل عمل اسم الفاعل وإن لم تكن أسماء فاعلين. والدليل على أنّها ليست بأسماء فاعلين أنها للمبالغة. وفعل المبالغة والتكثير أبدًا على وزن فَعّل بتضعيف العين واسم الفاعل من فَعّل مُفَعِّل، فهذه الأمثلة إذن وقعت موقع مُفَعِّل. ولذلك فصلها النحويون من اسم الفاعل، أعني لأنها ليست بأسماء فاعلين بل واقعة موقعها. ويحتمل أيضًا أن تكون فصلت عن أسماء الفاعلين لأنها ليست بجارية على الفعل عند من يرى أنَّ اسم الفاعل إنّما عمل لجريانه على الفعل في حركاته وسكناته وعدد حروفه. وقد تبين فيما تقدَّم ما السبب الذي لأجله عمل اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال.
وهذه الأمثلة تنقسم قسمين: قسم اتفق النحويون على أنّه يعمل عمل اسم الفاعل وقسم فيه خلاف.
فالقسم الذي لا خلاف في إعماله: فَعَولٌ، ومنه قول الشاعر:
ضروبٌ بنَصلِ السَيفِ سُوقَ سَمانِها
إذا عدموا زادًا فإنّكَ عاقر
وقوله:
هجومٌ عليها نَفَسَهُ غير أنه
متى يُرمَ في عينيهِ بالشَبحِ يَنْهَضِ
وفَعّال، ومنه قولهم: أمّا العَسَلَ فأنتَ شَرّابٌ. وقال الشاعر:
أخا الحرب لَبّاسًا إليها جلالَها
وليسَ بولاّجِ الخوالِفِ أعقَلا
فنصب جِلالَها بلبّاس.
ومِفْعال، ومنه قولهم: إنَّه لمِنحارٌ بوائكَها.
فهذه الأمثلة الثلاثة تعمل عمل اسم الفاعل باتفاق من البصريين. وأما أهل الكوفة فيزعمون أن ما بعد الأمثلة الخمسة منصوب بإضمار فعل يدل عليه المثال، فإذا قلت: هذا ضروبٌ زيدًا، فتقديره عندهم: ضروبٌ يَضربُ زيدًا. ولذلك لا يجيزون تقديم المنصوب بهذه الأمثلة، لأنَّ الفعل إنّما أُضمر في هذا الباب لدلالة الاسم المتقدم عليه، فإذا تقدم الاسم المنصوب لم يكن له ما يدلّ عليه.
وهذا مذهب فاسد، لأنَّ الذي ادعوه من الإضمار لم يلفظ به في موضع من المواضع، وأيضًا فإنَّ ما أنكروه من تقديم المفعول قد سُمع، ومنه قوله:
بكيتُ أخا اللأواء يُحمَدُ يومُهُ
كريمٌ رؤوسَ الدارعينَ ضَروبُ
فقدّم رؤوس الدارعين على ضروب تقديره: ضروبٌ رؤوسَ الدارعين. فدلَّ ذلك على أنّه منتصب بنفس المثال.
والقسم الذي فيه خلاف بين أهل البصرة وأهل الكوفة فَعِلٌ وفَعيلٌ. فمذهب سيبويه إعمالها ومذهب المبرّد أنه لا يجوز ذلك.
استدلّ المبرّد على منعِ إعمالها بأنَّ فعيلًا اسم فاعل من فَعُلَ وفَعُلَ لا يتعدّى، فكذلك ما اشتُقَّ منه. وكذلك فَعلٌ اسم فاعل من فَعَلَ الذي لا يتعدَّى فهو إذن كفعله لا يتعدّى.
وهذا الذي ذهب إليه من الاحتجاج فاسد. إذ الكلام لم يقع إلا في فعل وفَعيل الواقعين موقع مُفعل. فإن قال: فما الدليل على أنَّ العرب قد أوقعتهما موقع مُفعل؟ بل القياس يقتضي أن يكون كلُّ بناء على حكمه ولا يوقع موقع غيره. فالجواب: إنَّ سيبويه لم يقل ذلك إلاّ بعد ورود السماع بإعمالها. فمن الدليل على إعمال فَعيل قوله:
حتى شآها كليلٌ موهنًا عملٌ
باتَتْ طرابًا وباتَ الليل لم يَنَمِ
فمَوْهنٌ منصوب بكليل. ومن الدليل على إعمال فعل قوله: