وهذا الباب يسمّيه النحويون باب الإعمال، وهو أن يتقدَّم عاملان فصاعدًا ويتأخّر عنهما معمول فصاعدًا كل واحدٍ منهما يطلبه من جهة المعنى نحو قولك: ضربَنِي وضربتُ زيدًا، فزيد معمول وقد تقدَّم عاملان وهما ضربتُ وضَربَني، وكل واحد منهما يطلبه من جهة المعنى ليعمل فيه، فضربني يطلبه على أنّه فاعل وضربت يطلبه على أنّه مفعول. وقد يكون المتقدم أزيد من عاملين وعليه قول الشاعر:
سُئلتَ فل تبخَلْ ولم تعطِ طائلًا
فسيّانَ لا حمدٌ لديكَ ولا ذم
فقد تقدَّم في هذا البيت على الطائل ثلاثة عوامل وهي: سُئلتَ وتَبخَلْ وتعطي، وكل واحد منها يطلبه من جهة المعنى ويُمكن إعماله فيه.
وهذا البيت يجوز فيه إعمال الأول والثاني باتفاق من أهل البصرة والكوفة. واختلف في أيهما أولى بالإعمال، فالاختيار عند أهل البصرة إعمال الثاني، والاختيار عند أهل الكوفة إعمال الأول.
واحتج أهل الكوفة على صحة مذهبهم بأنَّ المتقدم أولى بالإعمال لاعتناء العرب به وجعله في أول الكلام. ومما يقوّي مذهبهم أن يقولوا: قد وجدنا من كلام العرب أنّه متى اجتمع طالبان وتأخر عنهما مطلوب وكل واحد منهما يطلبه من جهة المعنى فإنَّ التأثير للمتقدِّم منهما.
دليل ذلك القسم والشرط إذا اجتمعا فإنَّ العرب تبني الجواب على الأول منهما وتحذف جواب الثاني لدلالة جواب الأول عليه تقول: إن قامَ زيدٌ واللَّهِ يقُمْ عمروٌ، واللَّهِ إنْ قامَ زيدٌ ليقومَنَّ عمروٌ، فكذلك ينبغي أن يكون الاختيار إعمال الأول.