فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 831

اعلم أنَّ الواو تنصب في موضعين: أحدهما: أن تعطف على اسم ملفوظ به فلا يمكن ذلك فتنصب الفعل بإِضمار أنْ فتكون أو وما بعدها بتأويل المصدر فتكون قد عطفت اسمًا على اسم كقوله:

للبسُ عباءةٍ وتَقرَّ عَينِي

بعطف وتقر على اللبس، كأنَه قال: وقرور عيني.

والموضع الآخر: أن يتعذب العطف لمخالفة الفعل الذي بعدها للفعل الذي قبلها في المعنى نحو لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ، إذا أردت النهي عن الجمع بينهما ولم ترد النهي عنهما على كل حال، فلما خالف ما بعدها لما قبلها نصب الفعل بإِضمار أنْ وكانت أنْ وما بعدها بتأويل المصدر، ويكون المصدر معطوفًا على مصدر متوهم للفعل المتقدَّم، فكأنك قلت: لا يكن منكَ أكلٌ للسمك مع شربِ اللبنِ، إلا أنَّ ذلك لا يكون إلاّ بعد أمر أو نهي أو استفهام أو عرض أو تحضيض أو دعاء أو نفي أو تَمنَ.

ومسائل هذا الباب تجري على ما ذكرنا في مسائل الفاء. فإِن قيل: فكيف قال الشاعر:

فما أنا للشيء الذي ليس نافعي

ويَغضبَ منه صاحبي بِقؤولِ

فنصب بعد الواو وليس قبلها فعل يدل على المصدر؟

فالجواب عن هذا شيئان: أحَدُهما: أنَّ اسم الفاعل الذي هو نافعي دليل على المصدر وكأنّه قال: ليس فيه نفعٌ مع غضب صاحبي منه. والآخر أن تكون «ليس» دليلًا على المصدر بمعناها كأنه قال: الذي فيه عدم نفعي مع غضب صاحبي منه. والدليل على أنَّ ليس تجري مجرى الفعل التام كقوله:

بما لستما أهلَ الخيانةِ والغَدرِ

فأدخل ما المصدرية على ليس وهي لا تدخل إلاّ على الفعل، وفي هذا أدلّ دليل على أنّها فعل. وقوله:

لا تنَه عن خُلُقٍ وتأتِيَ مثلَهُ

ويروى بنصب الياء من وتأتي وتسكينها، فمن نصبها فعلى أنه قصد النهي عن الجمع بينهما، كأنه قال: لا يكن منك نهيٌ مع إتيانِ مثلَ ما تَنهى عنه.

ومن سكنها فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من تسكين المنصوب ضرورة، فتكون هذه الرواية كرواية من نصب. والآخر أن يكون الفعل مرفوعًا والواو للحال كأنه قال: لا تنه عن خلق في حال إتيَانِكَ مثله، فيكون معناه كمعنى المنصوب. وفي هذا الوجه ضعف، لأنَّ واو الحال لا تدخل إلاّ على الجمل الاسمية ولا تدخل على الفعلية إلاّ شاذًا نحو ما حُكي من دخولها على الفعل المضارع، وذلك قليل نحو: قمتُ وأصكُّ عينَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت