فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 831

وهذا الدليل فاسد، لأنَّه إنَّما لم يجز إخراج الأكثر وترك الأقل عند من ذهب إلى ذلك لأنَّه يؤدي إلى وضع اسم الكل على الأقل. ألا ترى أنَّك إذا قلت: قام القومُ إلاّ أربعةَ أخماسِهم، كنت قد أوقعت القوم على خمسهم وذلك غير جائز، وإذا قلت: قام القومُ إلاّ خُمسُهم كنت قد أوقعت القوم على أكثرهم وذلك جائز. ألا ترى أنَّ العرب تقول: قام القومُ، إذا قاموا بأجمعهم أو قام أكثرهم، فلا يلزم في البيت شيء من ذلك فاستدلالهم به فاسد.

واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَنٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر: 42) . فاستثنى الغاوين من العباد وهم أكثر من المؤمنين بدليل قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} (ص: 24) وهذا أيضًا لا حجَّةَ لهم فيه. لأنَّ العباد حيث أضافهم الله تعالى إلى نفسه فإِنَّهم يراد بهم المؤمنون، والإِضافة إضافة تقريب فكأنَّه قال: إنَّ المؤمنين ليس لك عليهم سلطان.

وقوله: إلاّ من اتَّبعك من الغاوين، استثناء منقطع وليس مخرجًا من الأول كأَنَّه قال: لكن من اتّبعك من الغاوين فلك عليهم.

ومنهم من ذهب إلى أنَّه يجوز أن يكون المخرج النصف فما دون واستدل على ذلك بقوله تعالى: {قُمِ الَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا} {نّصْفَهُ} (المزمل: 2، 3) .

ووجه الدليل في هذه الآية أنَّ القليل مستثنى من الليل والمراد به النصف، بدليل أنَّه قد أبدل منه النصف بدل شيء من شيء قالوا: ولا يجوز أن يكون أبدل منه بدل بعض من كل حتى كأنَّه قال: قم نصفَ القليلِ، لأنَّ القليل مبهم فلا يعلم قدر نصفه.

وهذا الذي استدلّوا به لا حجة فيه، بل النصف بدل من القليل بدل بعض من كل، ويكون القليل معيّنًا بالعرف أي بالعادة أن يسمَّى قليلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت