فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 831

والدليل على فساد ما ذهبوا إليه من أنَّ النصف بدلٌ من القليل بدل شيء من شيء أنَّ من قام الليل إلاّ نصفه لا يقال فيه أنَّه قد قام الليل إلاّ قليلًا.

ومنهم من ذهب إلى أَنَّه لا يجوز أن يكون المستثنى عقدًا من العقود. واستدلَّ على ذلك بأنَّ كلام العرب مبني على الاختصار، فإِن قلت: عندي مائةٌ إلاَّ عشرة كان نقيض كلامهم لأنَّه أخصر من هذا أن تقول: عندي تسعون.

فإِن لم يكن المستثنى عقدًا جاز نحو قولك: عندي مائةٌ إلاّ ثلاثةً، لأنه أخصر من قوله: عندي سبعةٌ وتسعونَ، أو مثله، فجاز لذلك.

وهذا فاسد، لأنَّه مبني على أنَّه يجوز الاستثناء من العدد، وذلك فاسد لأنَّ أسماء العدد نصوص والنصوص لا يجوز الاستثناء منها، لأن الاستثناء منها يأدي إلى إخراج النص عن نصيته، ألاّ ترى أنّك إذا قلت: عندي ثلاثةٌ إلاّ واحدًا، كنت قد أوقعت الثلاثة على الاثنين، وذلك لا يجوز وإنما يجوز أن تقول: قام القومُ إلاّ عشرةً. ولا يلزم فيه ما قال من عدم الاختصار.

فأمّا قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا} (العنكبوت: 14) ، فإِنَّما جاز الاستثناء فيه عن اسم العدد لأنّه قد يدخله اللبس، ألا ترى أن هذا القدر قد يؤتى به على جهة التكثير فيقال: أقَعدُ ألفَ سنةٍ، أي أقعدُ زمنًا طويلًا، فلما كان قد يدخله الاحتمال جاز الاستثناء منه، وتبيّن بالاستثناء أنه لم يستعمل اسم العدد للتكثير.

وكذلك ما جاء من الاستثناء من الأعداد التي يجوز أنْ تستعمل على جهة التكثير ينبغي أنْ يكون العدد فيها هذا الذي ذكرناه.

والصحيح أنَّ المخرج أقلّ من النصف أبدًا، وما قلّ كان أحسن لما ذكرناه من أن العرب قد توقع لفظ العموم على الأكثر ولا تضعه على الأقل.

ويشترط في المستثنى منه ألا يكون نصًا، ولذلك لم يجز الاستثناء من أسماء الأعداد كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت