واعلم أنّه لا يجوز حذف حرف الندبة كما لا يجوز حذف حرف الجرِّ من المستغاث به، لأنَّ المقصود تكثير الصوت، لأنَّ المتفجَّع يصيبه طَرَبٌ لشدّة جزعه فيكثّر الصوت لذلك، وحذف حرف الندبة يناقض ذلك.
واعلم أنَّ علامة الندبة لا تلحق إلاّ آخر الاسم المندوب نحو: يا زيداه، أو آخر المضاف إليه المندوب نحو: يا غلامَ زيداه، أو آخر صلة الموصول نحو: يا مَنْ حفرَ بئرَ زمزماه.
تلحق آخر الصفة على رأي يونس رحمه الله فتقول على مذهبه: وازيدُ البطلاه، ويا زيدُ الكريماه. ومستنده في ذلك ما سمع من كلامهم: واجُمْجُمَتيَّ الشامِيّتيْناه.
وهذا الذي قال خطأ، لأنَّ قولهم يا غلامَ زيداه إنَّما جاز لأنَّ المضاف شديد الاتصال بما أُضيف إليه. ألا ترى أنَّهم لا يحتملون الفصل بينهما، وليس الصفة مع موصوفها كذلك، ألا ترى أنَّهم يفصلون بموصوف آخر، وقد تقرَّر أنَّ المضاف يُحكَم في هذا الباب بحكم التنوين فيقولون: يا غلام، ويحذفون المضاف إليه كما يحذفون التنوين، ولما اشتد اتصاله لحق آخره ما يلحق آخر غير المضاف إليه.
وأما قولهم واجُمجُمتي الشامِيّتَيْناه، فهو على غير ما يزعم، ألا ترى أنّهم يلحقون هذه الصورة ما ليس بمندوب ولا بمنادى، ألا ترى أنَّ منهم من يقول: قام زيداه، يريد: قام زيد، ومنه قول الشاعر:
ألا يا عمرُو عمراهُ
وعمرو بنُ الزُبيراهُ
فألحق الألف المضاف لمّا أُضيف إلى عمرو، فهذا أبعد مما حكى يونس. وزعم خلف الأحمر أنّه يجوز لديه صفة أيّ، فيجيز، يا أيّها الرجلاه، ولا يجيز: يا زيدُ العاقِلاه. قال: وذلك أنَّك إذا قلتَ: يا أيُّها الرجلاه، فهو غير مقصود وإنَّما جئت بأيّ ليتوصَّل به إلى نداء ما فيه الألف واللام وإذا قلت: يا زيدُ العاقلاه، فالمقصود بالندبة إنَّما هو العاقل. وهذا خُلفٌ لأنَّه لا فرق بينهما، ألا ترى أنَّ رجلًا من قولك: يا أيُّها الرجلاه، قد صار صفة لأيّ، فحكمه حكم الصفة.