فإن قيل: فهلاّ نصبت «قرأتُ وقالَ» المبتدأ والخَبَر تشبيهًا بأعطيتُ كما فعلت ذلك بظننتُ وأخواتها؟ فالجواب: إنَّ ظننتُ وأخواتها لا يليها إلاّ اسمان أو ما هو بمنزلتهما، كما أنَّ أعطيتُ وبابه لا يطلب إلاَّ اسمين، وقرأتُ وقالَ قد يقع بعدهما الجمل الفعلية نحو: قال زيدٌ: قامَ عمروٌ، وقرأت: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} (القمر: 1) . فلما كانت ظننتُ وأخواتها أشبه بأعطيتُ من قلتُ وقرأتُ وأمثالها لذلك نصبت المبتدأ والخبر حملًا عليها، فإذا ثبت أنَّ الأصل فيها أن لا تعمل تبيّنَ لِمَ انفردت بالإلغاء، لأنَّ في ذلك رجوعًا إلى الأصل.
فإن قيل: فلأيّ شيءٍ لم تُلغَ إلا متوسطة أو متأخرة؟ فالجواب: إنّها إذا كانت في أول الكلام كان ما بعدها مبنيًا عليها، وإن لم تكن أول الكلام فإنّك إن أعملتَها قدَّرت أيضًا أنّ الكلام مبني عليها، وإذا ألغيتَها قدَّرت أنَّ الكلام مبني على أن لا يكون فيه فعل من هذه الأفعال، ثم عرض لك بعد ذلك أن أردت أن تذكر هذه الأفعال لتجعل ذاك الكلام فيما تعلم أو فيما تظنُّ أو فيما تزعم، فكأنّك إذا قلت: زيدٌ منطلق ظننتُ أو علمتُ أو زعمتُ، أردت أن تقول أولًا زيدٌ منطلقٌ، ثم أردت بعد ذلك أن تبيّن أنَّ ما ذكرته من قولك: زيدٌ منطلقٌ معلوم عندك أو مظنون أو مزعوم. فكأنّك قلتَ عُقَيب قولك: زيدٌ منطلقٌ، فيما أظن أو فيما أزعم أو فيما أعلم.
فإن أُكدت هذه الأفعال بالمصدر فالإعمال ليس إلا، تقدمت أو توسطت أو تأخرت نحو قولك: ظننتُ ظنًا زيدًا قائمًا، وزيدًا ظننتُ ظنًا قائمًا، وزيدًا قائمًا ظننتُ ظنًا، وإنّما لم يجز الإلغاء مع التأكيد بالمصدر لما في ذلك من التناقض.