فإن كان أحدهما معرفة والآخر نكرة كان المبتدأ المعرفة والخبر نكرة نحو قولك: زيدٌ قائمٌ، لما ذكرنا من أنَّ الخبر ينبغي أن يجعل المجهول، ولا يجوز جعل المبتدأ النكرة والخبر المعرفة إلا في ضرورة شعرٍ نحو قولك: قائمٌ زيدٌ، على أن تقدّر قائم هو المبتدأ لا خبرًا مقدَّمًا. وبيان ذلك بنواسخ الابتداء، فمما جاء من ذلك قوله:
قِفي قبلَ التفرقِ يا ضُباعا
ولا يكُ موقفٌ مِنكِ الوداعا
جعل موقف وهو نكرة اسم يَكُ والوداع وهو معرفة خبر يك. ولا يكون اسم كان وأخواتها إلا ما هو مبتدأ في الأصل.
وهذا عندي من قبيل القلب أنه جعل ما ينبغي أن يكون مبتدأ خبرًا وما ينبغي أن يكون خبرًا مبتدأ، وذلك بالنظر إلى اللفظ. وأمّا المعنى فعلى ما ذكرتُ لك من الإخبار بالنكرة عن المعرفة. ونظير ذلك ــــ أعني ممّا قُلب فجعل فيه الخبر مخبرًا عنه في اللفظ والمخبر عنه خبرًا ــــ قوله:
كانت فريضةَ ما تقول كما
كان الزِناءُ فَريضةَ الرَجْمِ
وإنما المعنى كما كان فريضةُ الزِنا الرجمَ، فقلب.
والمبتدأ والخبر مرفوعان، واختلف النحويون في الرافع لهما، ففي الرافع للمبتدأ أربعة أقوال. منهم من ذهب إلى أنَّ الرافع له التهمّم والاعتناء، وتهممك واعتناؤك به جعلك له أولًا لفظًا أو نيةً. وذلك باطل لأنَّ التهمّم معنى والمعاني لا يثبت لها العمل في موضع.