وهذا الذي ذهب إليه فاسد، بدليل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَهُ لآ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} (الكهف: 60) . ألا ترى أنَّ من المحال أن يريد لا أزال عن مكاني حتى أبلغ مجمع البحرين، لأنّه معلوم أنّه ما دام في مكانه لا يبلغ مجمع البحرين فدلَّ ذلك على أنَّ برح بمعنى زال، وأنَّها غير مشتقة من البراح الذي هو المكان.
وأما ما دام فتستعمل أيضًا تامة وناقصة، فإن كانت تامة دلت على اتصال ما قبلها مدّة بقاء الفاعل: أقوم ما دام زيد، أي يتصل قيامي مدة بقاء زيد. وإن كانت ناقصة فإنها قد يكون فيها ضمير الأمر والشأن وقد لا يكون. وتدل في الحالتين على اتصال ما قبلها مدة بقاء الصفة للموصوف، فتقول، أقوم ما دام زيدٌ ضاحكًا، أي مدة بقاء الضحك صفة لزيد.
وأما ليس فلا تكون إلا ناقصة، وقد يكون فيهما ضمير الأمر والشأن وقد لا يكون وهي في الحالتين لنفي الخبر. فإن كان الخبر مختصًا بزمان نفته على حسب ما هو عليه من الاختصاص، وإن كان محتملًا للحال والاستقبال خلصته للحال فتقول: ليس زيدٌ قائمًا الآن، وليس زيدٌ قائمًا غدًا. وإذا قلت: ليس زيدٌ قائمًا، فإنّما نفيتَ القيام عن زيد في الحال.
واختلف الناس في الرافع لأسماء هذه الأفعال. فمنهم من ذهب إلى أنَّ هذه الأفعال دخلت على المبتدأ والخبر فنصبت الخبرَ وبقي المبتدأ على رفعه وهو مذهب كوفي.
ومنهم من ذهب إلى أنَّ كان وأخواتها دخلت على المبتدأ والخبر فرفعت ما كان مبتدأ ونصبت ما كان خبرًا، وهو مذهب أهل البصرة، وهو صحيح والذي يدلّ على ذلك اتّصال ضمير الرفع بها، فلو كان المرفوع غير معمول للفعل لم يتصل به ضمير لأنَّ الضمير لا يتصل إلاّ بعامله، وأيضًا فإنَّ الرافع له قبل دخول هذه الأفعال إنّما كان التعري من العوامل اللفظية كما تقدم في باب الابتداء.