فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 831

وأما أهل الكوفة فيجعلون هذا مقيسًا على أن تكون الواو بمعنى مع، فإذا قلت: إنَّ زيدًا وعمرًا قائمٌ، فكأنّك قلت: إن زيدًا مع عمروٍ قائمٌ، فليس ما يخبَر عنه إلا اسم واحدٌ، ولو أردت العطف عندهم لم يجز إلا أن تثني الخبرَ فتقول: قائمانِ، واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:

إنّكَ والكتابَ إلى علي

كدابغةٍ وقد حَلِمَ الأديمُ

ألا ترى أن كدابغة لا يكون خبرًا إلاَّ عن الكاف، فلو أخبر عن المعطوف والمعطوف عليه لقال: كدابغةٍ ودبغِها، فيشبِّه الكاتب بالدابغة والكتاب بالدبْغِ، لكنّه لمّا لم يرد بالواو إلا معنى مع لم يخبر إلاَّ عن الاسم الأول. وهذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون التقدير: كدابغةٍ ودبغِها، فحذف حرف العطف والمعطوف فيكون كقولهم: راكبُ الناقةِ طَلِيحانِ، تقديره: راكبُ الناقةِ والناقةُ طليحانِ.

والصحيح أن الواو وإن كانت بمعنى مع فإنّها تعطي أن ما بعدها شريك لما قبلها في المعنى فلا فرق بينها وبين العاطفة في التشريك، فينبغي أن يكون الخبر عن الاسمين. ويدل على أنَّ واو مع في ذلك بمنزلة العاطفة ما حُكي من قول العرب: كانَ زيدٌ وعمرًا كالأخوينِ. ألا ترى أن الواو هنا بمنزلة مع بدليل نصب ما بعدها، الخبر بعد ذلك عن زيد وعمرو إذ لا يتصوَّر أن يكون كالأخوين خبرًا لزيد وحده.

فإن عطفت على الاسم بعد الخبر فلا يخلو أن تعطف على اسم إنَّ ولكنَّ أو على اسم غيرهما من أخواتهما. فإن عطفت على اسم إن ولكن فإنَّه يجوز في العطف عند أهل الكوفة وطائفة من أهل البصرة وجهان: النصبُ عطفًا على اللفظ، والرفع عطفًا على الموضع، فتقول: إن زيدًا قائمٌ وعمرًا على لفظ زيد، وعمروٌ، على موضع زيد، لأنَّ: إنَّ زيدًا قائمٌ، في معنى: زيدٌ قائمٌ، فكما تقول: زيد قائمٌ وعمروٌ، فكذلك يجوز: إن زيدًا قائمٌ وعمروٌ، فيكون ذلك عندهم نظير: ليس زيدٌ بقائمٍ، ولا قاعدًا، عطفًا على موضع قائمٍ، فكأنّك قلت: ليسَ زيدٌ قائمًا ولا قاعدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت