فهذه الأماكن تنقاس فيها زيادة الباء لكثرة وجود ذلك في كلامهم. وما عدا ذلك مما الباء فيه زائدة فزيادتها فيه على غير قياس نحو زيادتها في فاعل «يأتي» من قوله:
ألم يأتيك والأنباء تَنمِي
بما لاقَتْ لبونُ بني زيادِ
يريد ألم يأتِكَ ما لاقت لبون بني زياد، لقلّةِ ما جاء من ذلك. إلا أنَّ أحسنه أن يكون ما زيدت فيه الباء قد توجّه عليه النفي في المعنى نحو قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوتِ وَالاْرْضِ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْىِ الْمَوْتَى} (الأحقاف: 33) . فزاد الباء في خبر أن وهو قادر، لما كان النفي متوجهًا عليه في المعنى، لأنَّ معنى الكلام أو ليس اللَّهُ بقادرٍ.
وغير الزائدة تكون لمجرّد الإلصاق والاختلاط والاستعانة والسبب والقسم وللحال وبمعنى في وللنقل.
وزعم بعض النحويين أنها تكون للتبعيض وبمعنى عَن. وذلك باطل لما يُبيّنُ بعدُ إن شاء الله تعالى.
فمثال كونها للنقل بمنزلة الهمزة: قمتُ بزيدٍ، يريد أقمتُ زيدًا، فيصير الفاعل مفعولًا وذلك لا يكون إلاّ في كلّ فعلٍ غير متعدّ. وهي عندنا بمعنى الهمزة خلافًا للمبرد فإنّه يفرق بينهما في المعنى، فإذا قلت: أقمتُ زيدًا، فالمعنى جعلته يقوم ولا يلزمك أن تقوم معه، وإذا قلت: قمتُ بزيدٍ، فالمعنى جعلته يقوم وقمتُ معه، فما بعد الباء يشترك عنده مع الفاعل فعله. وليس كذلك المفعول المنقول بالهمزة.
ورد بعضهم عليه ذلك بقوله تعالى: {وَلَوْ شَآء اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ} (البقرة: 20) . ألا ترى أن الله تعالى لا يوصف بأنه ذهب مع سمعهم وأبصارهم.