ولا يجوز التعجب عند صاحب هذا المذهب إلاّ فيما سُمع من ذلك وهو: ما أشَعَلَهُ وما أَجَنّهُ وما أولَعَهُ وما أخوفَهُ عندي وما أحبّه إليَّ وما أمقَتَهُ عندي وما أبغَضَهُ إليَّ، والدليل على جواز ما أخوفَه عندي قول كعب بن زهير:
فلهو أخوفُ عندي إذْ أُكلِّمُهُ
وقيلَ إنّكَ محبوسٌ ومقتولُ
من ضَيغَمٍ بثَراءِ الأرضِ مُخْدَرُهُ
بِبَطْنِ عَثَّر غيلٌ دونَها غيلُ
وقولنا: خفي سببها، تحرّز مما هو غير خفي السبب كالألوان فإنّه لا يجوز التعجب منها أصلًا عند أهل البصرة إلاّ في ضرورة شعر نحو قوله:
إذا الرجالُ شَتَوا واشتدَّ أُكلُهم
فأنتَ أبيضُهم سربالَ طَبّاخِ
ونحو قوله:
جاريةٌ في درعها الفَضْفاضِ
أبيضُ من أختِ بني إباضِ
وأما أهل الكوفة فأجازوا ذلك في السواد والبياض لأنهما أصلان للألوان واستدلوا على جوازه في البياض بما قدمناه أولًا، وفي السواد بما جاء في صفة جهنم من قوله صلى الله عليه وسلّم «لَهيَ أسَودُ منَ القارِ» . وبقول أمّ الهيثم: هو أسود من حَنَكِ الغُراب. وهذا من القلة بحيث لا يقاس.
وقولنا: وخرج بها المتعجب منه عن نظائره أو قل نظيره، لأنّه لا يجوز التعجّب إلاَّ مما كان من الصفات قد يزيد زيادة لا يمكن أن يكون لها نظير، وإن وجد فقليل ولذلك لم يجز التعجّب من الله تعالى إلاّ قليلًا لأنّه لا نظير له. وإذا جاء فمجاز ومشبَّه بما يجوز التعجب منه. ومن ذلك قول الشاعر:
ما أقدرَ اللَّهَ أن يُدنِي على شَحَطٍ
مَنْ دارُهُ الحَزْنُ مِمَّن دارُهُ صُولُ
وللتعجب ثلاثة ألفاظ: ما أفَعَلَهُ وأفعلْ به ولَفَعُلَ. ويجري «أفعَلُ مِنْ» مجرى التعجب وإن لم يكن تعجبًا في أنه لا يبنى إلا مما بني منه فعل التعجب.