فإن كُرِرّت «كان» كانت كل واحدة منهما على ما استقرَّ فيها قبل التكرار.
ولا يزاد في هذا الباب من الأفعال إلاّ كان عند أهل البصرة وقاس أهل الكوفة على ذلك سائر أخواتها ما لم يناقض معنى الفعل المزيد فيه معنى التعجب، وحكوا من كلام العرب: ما أصبحَ أبردَها وما أمسى أدفأها، يعني الدنيا. ومنهم من أجاز زيادة كل فعل لا يتعدّى نحو: ما قامَ أحسنَ زيدًا، إذا أردت ما أحسن قيامَ زيدٍ فيما مضى، واستدلَّ على ذلك بقوله:
على ما قام يَشتمُني لئيمٌ
كخنزِيرٍ تمَرَّغَ في رَماد
فقام زائدة، والمعنى: على مَ يشتمُني لئيمٌ.
وكذلك استدل بقول الآخر:
فالآنَ قرَّبتَ تهجُونا وتشتمُنا
فاذهبْ فما بكَ والأيام من عَجَب
فاذهب زائدة، وحكوا من كلام العرب: فلانٌ قَعَدَ يتهكّم بعرضِ فلانٍ. على زيادة قعد، وحكى الكسائي: ما مر أغلظَ أصحاب موسى، على معنى أغلظ ما مرّوا، وهذا من القلة والشذوذ بحيث لا يقاس عليه.
ولا يجوز تقديم معمول فعل التعجب على «ما» ولا على فعل التعجب نفسه. واختُلف في الفصل بينه وبين معموله بالظرف والمجرور، فمنهم من أجاز ومنهم من منع. فالمانع يحتج بضعف هذا الفعل وقلّة تصرفه، والذي يجيز يحتج بأنَّ ذلك قد جاء في الحرف مع أَنَّ الحرف أضعف من الفعل فالأحرى أن يجوز مع الفعل وذلك نحو قولك: إنَّ بكَ زيدًا مأخوذٌ.
فإن قيل: إنَّ الحرف قد خرج من الباب الأضعفِ إلى الباب الأقوى لشبهه بالفعل وفعل التعجب خرج من الباب الأقوى وهو الفعل إلى الباب الأضعف وهو الحرف فالجواب: إنَّ فعل التعجب قوي الأصل لأنه فعل و «إنَّ» ضعيفة الأصل لأنها حرف فلا أقلّ من أن يكونا في رتبة واحدة.
والصحيح أنَّ ذلك جائز. وحُكي من كلام العرب: ما أحسنَ بالرجُلِ أن يصدُقَ ومن كلام عمرو بن معد يكرب: للَّهِ دَرُّ بني مجاشع، ما أكثرَ في الهيجاء لقاءَها وأكثَر في اللزبات عطاءها.